في ظل تراجع التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا خلال عهد الرئيس دونالد ترمب، يتساءل حلفاء حلف شمال الأطلسي "الناتو" (NATO) عن مدى قدرتهم على الاستمرار في الاعتماد على المظلة النووية لواشنطن.
فرغم أن ترمب لم يُلمح إلى سحب الأسلحة النووية الأميركية المتمركزة في أوروبا منذ خمسينيات القرن الماضي، فإن الشكوك بشأن استعداد الولايات المتحدة للدفاع الدائم عن المنطقة، في مواجهة روسيا التي تزداد حزماً، دفعت حكومات أوروبية إلى البحث عن سبل لتعزيز دفاعاتها النووية الذاتية.
في هذا السياق، تبرز فرنسا لاعباً محورياً، إذ تُعد الدولة الوحيدة في أوروبا الغربية التي تمتلك ترسانة نووية مستقلة دون دعم تقني من الولايات المتحدة. غير أن أي اتفاق أوروبي يظل محفوفاً بالتعقيدات، في ظل تمسك فرنسا والمملكة المتحدة، القوتين النوويتين الوحيدتين في أوروبا، بهذه الأسلحة باعتبارها أساس أمنهما القومي، وما قد يترتب على أي تعديل في عقيدتيهما النوويتين من تداعيات عميقة على أي نزاع مستقبلي.
ومن المرتقب أن يوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقترحاً لتوسيع المظلة النووية لبلاده لتشمل دولاً أوروبية أخرى، خلال خطاب يلقيه في قاعدة للغواصات بمدينة بريست في غرب فرنسا في الثاني من مارس.
إليك ما ينبغي معرفته عن الردع النووي الفرنسي وكيفية استخدامه لحماية الحلفاء:
لماذا تمتلك فرنسا أسلحة نووية؟ بعد الحرب العالمية الثانية، سعى قادة فرنسا إلى منع تكرار احتلال بلادهم من قوة معادية، فاختاروا ترسيخ استقلال استراتيجي عن الولايات المتحدة، إيماناً منهم بأن باريس لا يمكنها الاعتماد حصرياً على واشنطن لضمان أمنها المطلق، في ظل عدم تطابق المصالح الأميركية والأوروبية دائماً. وتجلت هذه المخاوف خلال أزمة السويس عام 1956، عندما وجدت فرنسا والمملكة المتحدة نفسيهما، لفترة وجيزة، في مواجهة سياسية مع الولايات المتحدة في مصر.
وفي ذروة الحرب الباردة مطلع ستينيات القرن الماضي، ومع تصاعد سباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، سارعت فرنسا إلى تطوير برنامجها النووي عبر سلسلة من التجارب في الصحراء الجزائرية.
وبحلول أوائل التسعينيات، كانت فرنسا قد راكمت أكثر من 500 رأس نووي. ورغم تقليص الترسانة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، ظل الردع النووي الركيزة الأساسية لدفاعات فرنسا، محتفظاً بدعم واسع بوصفه الضامن النهائي للسيادة الوطنية، على الرغم من كلفته الباهظة.
ما هي العقيدة النووية الفرنسية؟ يقوم الردع النووي الفرنسي على مبدأ ثني أي خصم عن استهداف "المصالح الحيوية" للبلاد، إذ يمكنها الرد بإلحاق أضرار غير مقبولة بالمراكز السياسية والاقتصادية والسكانية للعدو.
ترتكز هذه العقيدة على مبدأ "الكفاية الصارمة"، أي الاحتفاظ بالحد الأدنى من الأسلحة الضرورية لتحقيق تأثير ردعي فعال، بدلاً من بناء ترسانة مهيأة لحرب نووية شاملة أو لمضاهاة القوى النووية الأخرى عدداً وعدة.
وفي حين يستند الردع النووي البريطاني إلى صواريخ "ترايدنت" (Trident) أميركية الصنع، ما يجعله مرتبطاً تقنياً بواشنطن، يتمتع الردع الفرنسي باستقلال كامل. وتنتمي المملكة المتحدة إلى مجموعة التخطيط النووي التابعة لحلف "الناتو"، المسؤولة عن تنسيق الاستراتيجية النووية للحلف، حيث تمثل الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيراً نظراً لتوفيرها القسم الأكبر من القدرات النووية ونشرها قنابل "بي 61" (B61) في عدة دول أوروبية بموجب اتفاقيات الحلف.
في المقابل، لا تنشر فرنسا أسلحة نووية في دول أوروبية أخرى، ولا تضعها تحت مظلة "الناتو"، ما يبقي قرار استخدامها حصرياً بيد الرئيس الفرنسي.
ما هي الأسلحة النووية التي تمتلكها فرنسا وكيف تنشرها؟ تُصنف الترسانة النووية الفرنسية رابع أكبر ترسانة في العالم، ولا تتفوق عليها من حيث عدد الأسلحة النووية المنشورة، أي الجاهزة للاستخدام، سوى الولايات المتحدة وروسيا، مقارنةً بتلك غير المركبة على أنظمة إطلاق أو الموضوعة تحت الصيانة أو المحتفظ بها في الاحتياط.
وخلال الحرب الباردة، نشر الجيش الفرنسي صواريخ نووية برية وأخرى تُطلق من الغواصات، إضافة إلى صواريخ كروز نووية تحملها طائرات مقاتلة. غير أن الصواريخ البرية جرى تفكيكها بالكامل في التسعينيات.
يعتمد الردع الفرنسي اليوم بشكل أساسي على صواريخ باليستية محمولة على أربع غواصات نووية، تحمل كل منها 16 صاروخاً من طراز "إم 51" (M51)، القادر على حمل عدة رؤوس نووية. وتتميز هذه الغواصات بصعوبة رصدها، مع وجود واحدة منها على الأقل في حالة دورية في أي وقت حول العالم.
كما تُجهز مقاتلات "داسو رافال" (Dassault Rafale)، القابلة للانتشار على متن حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول" (Charles de Gaulle)، بصواريخ كروز نووية من طراز (ASMPA-R). ومن المقرر أن تُستبدل هذه الصواريخ بنسخة فرط صوتية من طراز (ASN4G) اعتباراً من عام 2035. ويُعد إقلاع طائرة رافال محملة بصاروخ نووي إشارة تحذير لأي معتدٍ، تسبق احتمال إطلاق صاروخ باليستي من غواصة فرنسية.
هل ستستخدم فرنسا أسلحتها النووية دفاعاً عن حليف؟ رغم أن الدفاع عن النفس يشكل الهدف الأسمى للردع النووي الفرنسي، فإن السياسة النووية لباريس اكتسبت بُعداً أوروبياً منذ طرحها لأول مرة في ورقة بيضاء نُشرت عام 1972. وتنص الوثيقة على أن لفرنسا "مصالح حيوية" في أوروبا، وتضع الأسلحة النووية في صميم بنيتها العسكري، ما يعني ضمنياً إمكانية استخدامها للدفاع عن دول أوروبية أخرى.
وأثار ماكرون قلق حلفاء فرنسا في أوروبا الشرقية عندما أشار، بعد أشهر من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، إلى أن بلاده لن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg





