تظل قضية جودة الإنتاج العلمي إحدى القضايا المركزية في النقاشات الأكاديمية المعاصرة، خاصة في ظل التوسع الكبير في برامج الدراسات العليا وتزايد متطلبات النشر العلمي المرتبطة بالترقيات الأكاديمية. وفي قلب هذا الجدل يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود الإحصاء العددي للأبحاث والرسائل: هل معيار التقدم العلمي في مؤسساتنا الأكاديمية يقوم على الكم أم على الكيف؟
إن رسائل الماجستير والدكتوراه، في فلسفتها العلمية الأصلية، لا تُعد مجرد مرحلة تعليمية متقدمة ضمن السلم الدراسي التقليدي، كما هو الحال في درجات الليسانس أو البكالوريوس، بل تمثل مرحلة إنتاج المعرفة وإضافة لبنة جديدة في البناء العلمي للتخصص. فالرسالة العلمية يفترض أن تكون عملًا بحثيًا مبتكرًا يسهم في تطوير حقل معرفي معين، سواء عبر تقديم فكرة جديدة، أو طرح مقاربة منهجية مختلفة، أو معالجة إشكالية علمية لم تحظَ بالبحث الكافي.
غير أن الملاحظة النقدية لواقع كثير من مخطوطات رسائل الدراسات العليا تكشف عن ظاهرة تستحق التوقف والتأمل؛ إذ تتكرر الموضوعات البحثية في صور متعددة، وأحيانًا ضمن الإطار الفكري والمنهجي ذاته، مع اختلافات شكلية في العناوين أو في نطاق التطبيق. وهنا يصبح الابتكار العلمي الذي يُفترض أن يكون جوهر هذه الرسائل محل تساؤل حقيقي.
ولا يقتصر هذا التحدي على مرحلة الدراسات العليا، بل يمتد كذلك إلى ملفات الترقيات الأكاديمية للحصول على درجتي الأستاذ المساعد والأستاذ. فهذه الدرجات، بحكم طبيعتها، ليست مجرد مراحل إدارية في المسار الوظيفي الجامعي، بل هي مؤشرات على النضج العلمي والقدرة على الإسهام في تطوير المعرفة. ومع ذلك، قد تتحول متطلبات الترقية في بعض السياقات إلى سباقٍ نحو استكمال عدد محدد من الأبحاث، حتى وإن كانت هذه الأبحاث تدور حول الفكرة ذاتها أو تعتمد على منهجيات متقاربة إلى حد كبير.
وهنا تتجسد المفارقة بوضوح: فبدلًا من أن يكون الهدف الأساسي هو إنتاج معرفة جديدة، يصبح التركيز منصبًا في بعض الحالات على تحقيق متطلبات شكلية للحصول على اللقب العلمي. وبهذا المعنى، تتحول الإشكالية من مجرد خلل فردي في بعض الأبحاث إلى تحدٍ مؤسسي يمس فلسفة إنتاج المعرفة داخل المؤسسات الأكاديمية.
إن هذا الواقع يدفع إلى إعادة طرح السؤال المركزي:
هل نقيس الإنجاز العلمي بعدد الرسائل والأبحاث المنشورة، أم بمدى ما تقدمه هذه الأعمال من قيمة معرفية حقيقية؟
إن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية
