في عالم الطيران، السرعة ليست مجرد رقم تقني، بل أداة قوة ونفوذ، فمنذ كسر حاجز الصوت لأول مرة في أربعينيات القرن الماضي، دخلت القوى الكبرى سباقاً محموماً لتطوير طائرات أسرع وأعلى تحليقاً. وبين التجارب العسكرية السرية والمشاريع البحثية الطموحة، ظهرت طائرات استطاعت الطيران بسرعة تفوق الصوت عدة مرات، وبعضها اقترب من حدود الفضاء.
خلفية سباق السرعة في الطيران بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح التفوق الجوي مرتبطاً بالقدرة على الطيران بسرعة أعلى وارتفاعات أكبر، الطائرات القاذفة والمقاتلة كانت تتطور بسرعة، وكذلك الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، ومع كل جيل جديد من الطائرات، ارتفع سقف السرعة.
ويُقاس هذا الأداء غالباً بمقياس «ماخ»، وهو سرعة الطائرة مقارنة بسرعة الصوت، فعند مستوى سطح البحر تبلغ سرعة الصوت نحو 760 ميلاً في الساعة، لكنها تتغير مع الارتفاع بسبب اختلاف كثافة الهواء.
ميغ-31.. أسرع طائرة مقاتلة عاملة حالياً تقريباً الطائرة الروسية ميغ-31، المعروفة باسم «فوكسهاوند»، صممت أساساً لاعتراض القاذفات والصواريخ على مسافات بعيدة، تبلغ سرعتها القصوى نحو 3000 كيلومتر في الساعة، أي ما يقارب 1900 ميل في الساعة، ما يعادل ماخ 2.83 على ارتفاع يزيد على 21 ألف متر. الطائرة ثقيلة للغاية، إذ يصل وزنها إلى نحو 46 ألف كيلوغرام عند الإقلاع الكامل، ويعود جزء كبير من هذا الوزن إلى كمية الوقود اللازمة لتغذية محركيها القويين من نوع سولوفيف بي 30.
دخلت الخدمة عام 1981 بعد أول رحلة عام 1975، ورغم قدرتها على بلوغ سرعات أعلى، يتم تقييد سرعتها في زمن السلم إلى ماخ 1.5 للحفاظ على عمر الهيكل والمحركات.
مشروع واي إي-150 السوفيتي.. مقاتلة تجريبية سبقت عصرها في نهاية الخمسينيات حاول الاتحاد السوفيتي تطوير مقاتلة اعتراض ثقيلة فائقة الأداء عبر سلسلة واي إي-150، الطائرة استطاعت نظرياً بلوغ سرعة تقارب ماخ 2.85، أي نحو 3030 كيلومتراً في الساعة، مع قدرة على التحليق فوق ارتفاع 69 ألف قدم. كانت الفكرة أن يتم توجيه الطائرة آلياً بواسطة رادارات أرضية قبل أن تستخدم أنظمتها الخاصة للكشف والاشتباك، لكن تعقيد التكنولوجيا المطلوبة، من إلكترونيات وصواريخ ومحركات، أدى إلى تأخيرات كبيرة، ليتم إلغاء المشروع عام 1962.
ورغم ذلك سجلت الطائرة رقماً قياسياً عالمياً للسرعة بلغ 1665.9 ميل في الساعة عام 1959 بقيادة الطيار جورجي موسولوف، قبل أن يحطمه طيار أميركي بعد ستة أسابيع فقط.
القاذفة إف-111.. أسرع مما أعلن رسمياً القاذفة الأميركية F-111 «أردفارك» جاءت نتيجة مشروع لتطوير طائرة تخدم القوات الجوية والبحرية معاً، النسخة البحرية ألغيت لاحقاً بسبب وزنها الكبير، لكن النسخة الجوية بقيت في الخدمة. ورغم أن المراجع الرسمية تضع سرعتها بين ماخ 2.2 وماخ 2.5، فإن طياريها يؤكدون أن قدراتها الفعلية أعلى بكثير.
أحد ضباط أنظمة التسليح في الطائرة ذكر أن أسرع سرعة سجلت وصلت إلى ماخ 2.91، أي نحو 3594 كيلومتراً في الساعة، كانت الطائرة تعتمد جناحين متحركين يغيران زاوية الميل أثناء الطيران لتقليل مقاومة الهواء وتحقيق سرعات عالية.
إكس بي-70 فالكايري.. قاذفة نووية بسرعة ثلاثة أضعاف الصوت في ستينيات القرن الماضي طورت أميركا مشروع القاذفة إكس بي-70 التي صممت للطيران بسرعة ماخ 3 وعلى ارتفاع يصل إلى 75 ألف قدم، كانت الطائرة ضخمة بطول 56 متراً تقريباً وجناح دلتا مع أطراف قابلة للانحناء لتقليل مقاومة الهواء أثناء السرعات العالية. الهدف منها كان اختراق الدفاعات الجوية السوفيتية وإلقاء قنابل نووية، لكن مع تطور الصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، فقد المشروع أهميته وتم إلغاؤه، رغم استخدام الطائرة لاحقاً في أبحاث ناسا.
بيل إكس-2.. أول طائرة تتجاوز ماخ 3 بعد أن كسرت الطائرة إكس-1 حاجز الصوت عام 1947، جاء الجيل التالي من الطائرات التجريبية ليتجاوز ثلاثة أضعاف سرعة الصوت، طائرة بيل إكس-2 الصاروخية بلغت سرعة ماخ 3.196، أي نحو 2094 ميلاً في الساعة عام 1956. كانت تطلق من أسفل طائرة بي-50، ثم يعمل محركها الصاروخي لفترة قصيرة قبل أن تعود للهبوط انزلاقاً، استخدمت سبائك مقاومة للحرارة مثل الفولاذ المقاوم للصدأ وسبائك النحاس والنيكل لتحمل درجات حرارة الهيكل العالية.
ميغ-25.. صاروخ سوفيتي بجناحين الميغ-25 «فوكس بات» صممت في الستينيات لاعتراض القاذفات الأميركية عالية السرعة مثل إكس بي-70، استطاعت الطائرة بلوغ سرعة تصل إلى ماخ 3.2، لكنها كانت تعتمد على هيكل فولاذي بسيط ومحركات ضخمة بدلاً من المواد المتقدمة المستخدمة في الطائرات الأميركية. في إحدى المهام الاستطلاعية التقط الرادار الإسرائيلي الطائرة وهي تحلق بهذه السرعة العالية، وهو ما أدى إلى تضرر محركاتها، وفي عام 1976 انشق الطيار السوفيتي فيكتور بيلينكو بطائرته إلى اليابان، ما أتاح للغرب دراسة هذه الطائرة عن قرب.
إس آر-71 بلاكبيرد.. أسطورة التجسس الجوي ربما تكون إس آر-71 «بلاكبيرد» أشهر طائرة استطلاع في التاريخ، طورتها شركة لوكهيد في مشروع شديد السرية، وكانت قادرة على الطيران بسرعة ماخ 3.3، أي أكثر من 33 ميلاً في الدقيقة. اعتمدت الطائرة على تصميم انسيابي شديد الانخفاض في مقاومة الهواء، ومحركات خاصة، ووقود مميز، إضافة إلى استخدام التيتانيوم لتحمل الحرارة الناتجة عن الاحتكاك بالهواء.
خلال الحرب الباردة قدمت هذه الطائرة معلومات استخباراتية حيوية وكانت شبه مستحيلة الاعتراض.
واي إف-12 أسرع مقاتلة تجريبية الطائرة واي إف-12 كانت نسخة مقاتلة اعتراضية مشتقة من مشروع الطائرة الاستطلاعية إيه-12، بلغت سرعتها القصوى ماخ 3.35، وكانت مصممة لحمل صواريخ بعيدة المدى لاعتراض القاذفات السوفيتية. لكن الطائرة كانت معقدة للغاية وتتطلب وقتاً طويلاً للتحضير قبل الإقلاع، إضافة إلى اعتمادها على وقود خاص جيه بي-7، ما جعل تشغيلها مكلفاً ومعقداً، لذلك تم إلغاء المشروع رغم تفوقه التقني.
إيه-12.. الطائرة السرية التي سبقت بلاكبيرد الطائرة إيه-12 «سيغنوس» كانت في الواقع الأصل الذي انحدرت منه بلاكبيرد. يبلغ طولها نحو 30 متراً وكانت مصممة للتحليق لفترات طويلة بسرعة ماخ 3. استخدم التيتانيوم في بنائها لتحمل حرارة تتراوح بين 300 و400 درجة مئوية نتيجة الاحتكاك بالهواء، رغم أن سرعتها الرسمية تقارب ماخ 3.35، يعتقد أن قدرتها الفعلية ربما وصلت إلى ماخ 3.6.
إكس-15.. الطائرة الأسرع في التاريخ الرقم القياسي لأسرع طائرة مأهولة لا يزال من نصيب الطائرة التجريبية إكس-15 التي حلقت عام 1959 بسرعة مذهلة بلغت 4519 ميلاً في الساعة، أي أكثر من ماخ 6.7. كانت الطائرة تعمل بمحرك صاروخي وتطلق من أسفل قاذفة بي-52 على ارتفاع نحو 45 ألف قدم قبل تشغيل محركها لمدة تتراوح بين 80 و120 ثانية. استخدمت سبيكة النيكل المقاومة للحرارة «إنكونيل».
وأسهمت بيانات هذه الطائرة في برامج الفضاء الأميركية مثل ميركوري وجيميني وأبولو، كما ساعدت في تطوير مكوك الفضاء لاحقاً، وقد نفذت ثلاث طائرات من هذا الطراز 199 رحلة، وبعض الطيارين الذين قادوها على ارتفاعات تجاوزت 80 كيلومتراً اعتبروا رواد فضاء.
تاريخ هذه الطائرات يكشف أن سباق السرعة في الطيران لم يكن مجرد منافسة هندسية، بل كان جزءاً من صراع استراتيجي خلال الحرب الباردة. فكل زيادة في السرعة كانت تعني قدرة أكبر على الاستطلاع أو الاعتراض أو حمل السلاح النووي. ومع ذلك، فإن معظم هذه المشاريع انتهى بسبب الكلفة الهائلة أو تغير طبيعة الحرب الحديثة، إذ أصبحت الصواريخ والطائرات بدون طيار تلعب دوراً أكبر.
ورغم ذلك تبقى هذه الطائرات شاهداً على عصر حاول فيه البشر دفع حدود الطيران إلى أقصى ما يمكن.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
