أحمد التميمي إربد على تلة بارزة تشرف بوقار على سهل حوران والهضبة الشمالية الأردنية، تقف "بيت راس" شاهدة على فصول ضاربة في القدم من تاريخ البشرية، المدينة التي كانت يوما ما عضوا بارزا في حلف "الديكابوليس" الروماني، تختلط فيها حجارة العصر الهلنستي بعبق الحضارة الرومانية والبيزنطية، وصولا إلى العصر الإسلامي.
إلا أن هذا الإرث العظيم ما يزال رهين باطن الأرض، إذ يؤكد مختصون أن ما كُشف عنه حتى الآن لا يتجاوز 10 % من حجم المدينة الحقيقي (كابيتولياس القديمة)، ما يجعلها "خزينة أثرية" كبرى تنتظر من يزيح عنها التراب لتبوح بأسرارها الكاملة.
كابيتولياس.. مركز الثقل الديني والسياسي
وبحسب مختصين فإن الموقع يقدم رؤية شاملة لتاريخ المنطقة، إذ يعكس استمرار الاستيطان البشري، والتحولات الاقتصادية والثقافية التي مرت بها شمال بلاد الشام على مدار القرون، ويعد مثالا نادرا على الدمج بين الطبيعة والموقع الاستراتيجي الذي منح المدينة دورا سياسيا وتجاريا بارزا عبر العصور.
تبين المهندسة المتخصصة في السياحة المستدامة آلاء عبابنة أن بيت راس تمثل امتدادا حضاريا لمدينة كابيتولياس الرومانية، التي تأسست في عهد الإمبراطور تراجان أواخر القرن الأول الميلادي، وكانت تُعرف باسم جوبتير كابيتولينوس نسبة إلى المعبد الرئيس فيها، مضيفة: "هذا الاسم يعكس الأهمية الدينية والسياسية للمكان، ويظهر كيف كانت المراكز الدينية جزءا لا يتجزأ من تخطيط المدن الرومانية."
وتشير عبابنة إلى أن التسمية الحالية "بيت راس" تعكس الطبيعة الجغرافية المرتفعة للموقع، ما منحه ميزة إستراتيجية دفاعية وتجارية عبر العصور، كما يوضح الموقع ازدهار النشاط الزراعي والصناعي، خاصة صناعة الخمور والمعاصر الموجودة في الجهة الجنوبية، ما يدل على وجود اقتصاد متنوع ومستدام يدعم السكان المحليين ويعكس تقاليدهم الزراعية والصناعية.
ويشير الباحث في مجال الآثار محمد الطعاني إلى أن بيت راس تتميز بمعالم معمارية فريدة من نوعها، أبرزها المسرح الروماني الذي يضم بقايا لوحات فريسكو ملونة، وزخارف حجرية دقيقة، ونقوشا يونانية غنية بالمعلومات عن أساليب الحياة والفن في تلك الحقبة.
ويضيف، إن المسرح يحتوي أيضا على ثلاث كهوف في منطقة الأوركسترا، ونظام تصريف مياه متكامل يوضح براعة المهندسين الرومان في إدارة الموارد المائية، مبيّنة أن هذا المسرح لا يمثل مجرد بناء للعرض الفني، بل يشكل انعكاسا للحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة، حيث كانت تجمعات السكان تعكس تماسك المجتمع واهتمامه بالفنون والتعليم.
ويتابع أن وجود أبراج على جانبي المسرح يعتبر سمة نادرة لم تر في غالبية المسارح الرومانية بالمنطقة، ما يمنح الموقع طابعا معماريّا فريدا ويعكس مستوى عاليا من الابتكار الهندسي، حيث لم يقتصر التصميم على الجماليات بل شمل وظائف دفاعية وإدارية محتملة، وأن هذه الأبراج ربما كانت تستخدم للمراقبة أو لمتابعة الحشود، ما يشير إلى ذكاء التخطيط المدني في تلك الفترة.
ويشير الطعاني إلى البركة الحجرية الضخمة بسعة تقارب 22 ألف متر مكعب، والمزودة بنظام فلترة متطور بالنسبة لعصرها، إذ لم تكن مجرد منشأة لتخزين المياه، بل كانت جزءا من شبكة معقدة تدل على مستوى استراتيجي متقدم في هندسة الموارد الطبيعية، ما يدل على إدراك القدماء لأهمية إدارة المياه في حياة المدينة والزراعة، حيث كان للمياه دور محوري في دعم الصناعات الصغيرة والزراعية.
طبقات من الحضارة المنسية
ويرى الناشط في مجال الآثار محمد دلقموني أن بيت راس اكتسبت بعدا حضاريا مميزا بفضل موقعها الإستراتيجي المطل على سهل حوران والهضبة الشمالية، ما منحها أهمية سياسية واقتصادية على مر العصور.
وكانت المدينة بمثابة مركز تجاري وعسكري، حيث جمع الموقع بين سهولة الوصول إلى طرق التجارة الإقليمية والقرب من الموارد الطبيعية الغنية، ما ساعدها على البقاء نشطة ومزدهرة على الرغم من تقلبات التاريخ.
ويشير إلى أن المدينة تحتفظ بطبقات حضارية متعاقبة من العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، ما يعكس استمرارية الاستيطان البشري والتنوع الثقافي فيها.
هذه الطبقات تكشف كيف تفاعل السكان مع التغيرات السياسية والاقتصادية على مر القرون، وكيف حافظوا على معمارهم وابتكاراتهم رغم الأحداث التاريخية المختلفة.
ومن أبرز الاكتشافات أيضا المدرج الروماني المنحوت جزئيا في الصخر، والذي كان يتسع لنحو 3 آلاف شخص، إلى جانب البركة الصخرية التي تعكس أساليب متقدمة في الحصاد المائي، ومقبرة كهفية تحتوي على لوحات فريسكو ونقوش يونانية، وشبكة أنفاق وممرات تحت الأرض التي ما تزال تحتاج لدراسة معمقة. وهذه العناصر مجتمعة تعطي الباحثين نافذة على الحياة الاجتماعية والدينية في المدينة، وتوضح مدى التعقيد والتنوع في البناء المدني والهندسي القديم.
ويشير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
