يشهد العالم اليوم مرحلة انتقالية عميقة تتراجع فيها ملامح النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، بينما تتبلور تدريجياً ملامح نظام عالمي أكثر تعقيداً وتعددية في مراكز القوة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية المضطربة تتحول مناطق التماس الجيوسياسي إلى بؤر توتر محتملة، ويبدو الشرق الأوسط اليوم أحد أبرز هذه المسارح الحساسة.
وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران بوصفها دولة محورية ذات حضور تاريخي وثقافي وسياسي عميق في المنطقة. غير أن كثيراً من النقاشات السياسية في العالم العربي حول إيران تنطلق غالباً من فرضيات آنية، مثل توقع انهيار النظام أو تغيّره سريعاً بفعل الضغوط الاقتصادية أو الاحتجاجات الداخلية.
غير أن السياسة الرشيدة لا تُبنى على التوقعات بقدر ما تقوم على فهم طبيعة الطرف الآخر وطريقة تفكيره. ومن هنا تبرز أهمية تحليل الشخصية السياسية الإيرانية باعتبارها مدخلاً لفهم سلوك الدولة الإيرانية واستشراف اتجاهات سياساتها.
* أولاً - إيران دولة حضارية:
لفهم إيران ينبغي النظر إليها أولاً بوصفها دولة حضارية عريقة قبل أن تكون مجرد نظام سياسي نشأ بعد الثورة الإسلامية عام 1979. فالتاريخ الإيراني يمتد لآلاف السنين، وقد تعاقبت على هذه الأرض إمبراطوريات وحضارات تركت بصمات عميقة في الوعي الجمعي للنخبة الإيرانية.
هذا الإرث الحضاري خلق شعوراً قوياً بالاستمرارية التاريخية والخصوصية الثقافية، وهو شعور ينعكس بوضوح في الخطاب السياسي الإيراني وفي تصور طهران لدورها في الإقليم.
ومع قيام الجمهورية الإسلامية اندمج هذا البعد الحضاري مع بعد عقائدي ديني، فنتج عن ذلك نموذج سياسي يمزج بين القومية الفارسية والعقيدة الدينية، وهو مزيج يمنح السياسة الإيرانية طابعاً خاصاً يجمع بين التعبئة الأيديولوجية والبراغماتية السياسية.
* ثانياً - الصبر الاستراتيجي:
من أبرز سمات التفكير السياسي الإيراني ما يمكن تسميته الصبر الاستراتيجي. فإيران تميل إلى إدارة الصراعات على مدى زمني طويل، مراهنة على تغير الظروف الدولية أو إنهاك الخصوم تدريجياً.
وقد ظهر هذا النمط بوضوح في عدة محطات تاريخية، من الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، إلى قدرتها على التكيف مع سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية. ولهذا فإن إيران غالباً ما تفضل إدارة الصراع واستنزاف الخصوم بدلاً من المواجهات المباشرة السريعة.
* ثالثاً - الحساسية تجاه الإذلال السياسي:
تحمل الذاكرة السياسية الإيرانية حساسية واضحة تجاه ما يُنظر إليه على أنه إهانة أو إذلال خارجي. فالتجارب التاريخية المرتبطة بالتدخلات الأجنبية والضغوط الدولية تركت أثراً عميقاً في الوعي السياسي الإيراني. ولهذا فإن الضغوط العلنية أو الخطابات التصعيدية قد تدفع إيران أحياناً إلى مزيد من التشدد، ليس بدافع القوة بقدر ما هو بدافع الحفاظ على صورة الدولة وهيبتها أمام الداخل.
* رابعاً - تفضيل الحروب غير المباشرة:
تعتمد الاستراتيجية الأمنية الإيرانية منذ عقود على مبدأ الدفاع بعيداً عن الحدود. فبدلاً من المواجهة المباشرة، تعمل إيران على بناء شبكات نفوذ إقليمية تسمح لها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
