لماذا ينبغي أن تصبح التربية البيئية جزءاً من بناء الطفل العراقي في زمن تغيّر المناخ وشحّ المياه والتلوث
بقلم: سيبان عبد السلام
لم يعد ممكناً اليوم النظر إلى المدرسة بوصفها مكاناً لنقل المعارف التقليدية وحدها، في وقتٍ يواجه فيه العالم، والعراق على وجه الخصوص، تحديات بيئية متزايدة باتت تمسّ حياة الناس اليومية بصورة مباشرة. فالتغيّر المناخي، وشحّ المياه، والتلوث، وتدهور الغطاء النباتي، وازدياد الضغوط على الموارد الطبيعية، كلها لم تعد موضوعات نخبوية أو قضايا مؤجلة للمستقبل، بل أصبحت جزءاً من الواقع الذي ينشأ فيه الطفل العراقي ويتأثر به.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في وظيفة المدرسة ورسالتها. فالتعليم لم يعد معنيّاً فقط بإعداد الطالب للامتحان أو لسوق العمل، بل أصبح مطالباً أيضاً بإعداده لفهم العالم الذي يعيش فيه، والتفاعل معه بوعي، وتحمّل مسؤولية أخلاقية وعملية تجاه بيئته ومجتمعه. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم المدرسة الخضراء أهمية خاصة بوصفه أحد النماذج التعليمية القادرة على الربط بين المعرفة والحياة، وبين الدرس والممارسة، وبين تنمية العقل وتشكيل السلوك.
إن المدرسة الخضراء ليست مجرد مدرسة تزرع الأشجار أو تنظم حملة تنظيف هنا أو نشاطاً بيئياً هناك، على أهمية هذه المظاهر. بل هي، في جوهرها، رؤية تربوية تجعل من الاستدامة والوعي البيئي جزءاً من الثقافة المدرسية نفسها. وهي تقوم على إدخال موضوعات البيئة والمياه والطاقة والغذاء والنفايات والتلوث والمناخ في صلب التجربة التعليمية، لا بوصفها موضوعات إضافية، بل باعتبارها عناصر أساسية في تكوين الطالب وفهمه لعلاقته بالعالم.
وتنبع أهمية هذا النهج من كونه لا يقدّم للطفل معلومات بيئية فحسب، بل يسهم أيضاً في تنمية جوانب معرفية وعاطفية وسلوكية شديدة الأهمية. فالطفل الذي يشارك في زراعة نبتة، أو يتابع نموها، أو يفهم كيف تُهدر المياه، أو يتعلم كيف تُنتج الطاقة بصورة نظيفة، لا يكتسب معرفة تقنية فقط، بل يطوّر أيضاً الصبر، والملاحظة، والانضباط، والشعور بالمسؤولية، والقدرة على التعاون، والإحساس بقيمة الموارد وحدودها. وبهذا المعنى، فإن التربية البيئية تصبح جزءاً من بناء الشخصية، لا مجرد محتوى معرفي مضاف إلى المنهج.
ولعل من أبرز ما يميز هذا النوع من التعليم أنه يجعل المعرفة محسوسة وقريبة من تجربة الطفل. فالطالب قد يقرأ عن شحّ المياه في كتاب، لكنه لا يدرك عمق المسألة كما يدركها عندما يرى بنفسه كيف تُسقى النباتات، وكيف يمكن تقليل الهدر، وكيف تؤثر إدارة الموارد في حياة الناس. وقد يقرأ عن التلوث في درس مدرسي، لكنه يفهمه على نحو مختلف حين يربط بين النفايات التي يراها يومياً وبين أثرها على الصحة والهواء والتربة والمظهر العام للمدينة. هنا ينتقل التعليم من مستوى التلقي إلى مستوى الفهم الحيّ، ومن الحفظ إلى الوعي.
وهذا التحول في طبيعة التعليم ليس أمراً تجميلياً، بل ضرورة تربوية تتسق مع ما تؤكد عليه الأدبيات التعليمية الحديثة، التي ترى أن التعليم الجيد لا يقتصر على نقل المعرفة، وإنما ينبغي أن ينمّي أيضاً الأبعاد الاجتماعية والانفعالية والسلوكية لدى الطفل. فالمسألة ليست أن يعرف الطالب ما هو تغيّر المناخ، بل أن يدرك علاقته بحياته اليومية، وأن يشعر بمسؤوليته تجاه محيطه، وأن يكتسب القابلية للتصرف الواعي في مواجهة المشكلات البيئية. ومن هنا، فإن المدرسة الخضراء تلتقي مع أهداف أوسع للتعليم تتمثل في بناء إنسان قادر على الفهم، والتعاطف، والمبادرة، واتخاذ القرار المسؤول.
وفي العراق، تتضاعف أهمية هذا النهج بسبب طبيعة التحديات التي يواجهها البلد. فالعراق من أكثر البلدان المعرضة لتداعيات التغيّر المناخي في المنطقة، سواء من حيث ارتفاع درجات الحرارة، أو تراجع الموارد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
