لاحظت في السنوات الأخيرة وربما يشاركني كثيرون هذا الانطباع تصاعد نمط من الممارسات التي تتم تحت مظلة العمل الخيري، لكنها تثير قدرًا لا يمكن تجاهله من القلق، خاصة حين ترتبط بقضايا إنسانية شديدة الحساسية مثل رعاية الأيتام. لا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في العمل الخيري في حد ذاته، ولا في النماذج الجادة والمخلصة التي تؤدي دورًا مهمًا في المجتمع، وإنما في ممارسات محددة بات فيها الدين يُستخدم كوسيلة للتأثير وجمع الأموال، دون ضمان حقيقي لسلامة التوظيف أو نزاهة التطبيق.
ما يلفت الانتباه في هذه الظاهرة هو اعتمادها الكبير على الخطاب الديني المكثف، الذي يستدعي قيمًا راسخة في الوعي الجمعي مثل الرحمة، والثواب، وكفالة اليتيم، ويقدمها في سياق عاطفي شديد التأثير، وغالبًا ما يُدعم هذا الخطاب بصور ومقاطع لأطفال في أوضاع إنسانية صعبة، تُعرض بطريقة تركز على استثارة التعاطف الفوري لدى المتلقي، ودفعه إلى التبرع دون تردد. في هذا السياق، يصبح التبرع استجابة انفعالية مباشرة، أكثر منه قرارًا واعيًا قائمًا على معرفة أو تحقق.
المشكلة هنا لا تكمن في مبدأ التبرع، ولا في أهمية دعم الأيتام، بل في غياب الشفافية حول كيفية إدارة هذه الموارد، وفي بعض الحالات، في وجود ممارسات لا تتسق مع القيم التي يُفترض أن يقوم عليها العمل الخيري. فليس من المقبول أن تُستخدم القيم الدينية كغطاء لممارسات تفتقر إلى الحد الأدنى من النزاهة، أو أن تتحول قضايا إنسانية حقيقية إلى أدوات للتسويق أو تحقيق مكاسب.
ومن خلال متابعتي لهذا الملف، أجد أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو أثرها التربوي على الأطفال أنفسهم، فالطفل اليتيم، الذي يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة تعوضه عن فقدان الرعاية الأسرية، قد يجد نفسه في بعض المؤسسات جزءًا من خطاب دعائي مستمر، يُستدعى حضوره عند الحاجة إلى جمع التبرعات، ويُعرض في سياق يركز على ضعفه واحتياجه.
هذا النمط من التقديم لا يمر دون تأثير، فالطفل، في مراحل نموه المختلفة، يكون في حاجة إلى بناء صورة إيجابية عن ذاته، قائمة على الشعور بالقيمة والقدرة والانتماء، أما حين يتم تقديمه بشكل متكرر كموضوع للشفقة، فإن ذلك قد يرسخ لديه شعورًا بالدونية، ويؤثر على ثقته بنفسه، وعلى نظرته إلى موقعه داخل المجتمع.
إلى جانب ذلك، فإن البيئة التي يسودها تناقض بين الخطاب والممارسة تمثل تحديًا تربويًا حقيقيًا، فعندما يسمع الطفل حديثًا متكررًا عن الصدق والأمانة والرحمة، ثم يشهد في الواقع ممارسات لا تعكس هذه القيم، فإنه يواجه حالة من الارتباك القيمي، قد تدفعه إلى فقدان الثقة ليس فقط في الأشخاص، بل في القيم ذاتها، وهذه من أخطر النتائج التي يمكن أن تترتب على أي خلل في البيئة التربوية.
ولا يقتصر التأثير على الأطفال وحدهم، بل يمتد إلى المجتمع ككل، إذ إن انتشار مثل هذه الممارسات يسهم في إضعاف الثقة في العمل الخيري، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لأحد أهم مظاهر التضامن الاجتماعي، فحين يشعر المتبرع بأن هناك احتمالًا لاستغلال عطائه، فإنه قد يتردد في التبرع مستقبلًا، حتى للجهات الجادة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تضرر الفئات الأكثر احتياجًا.
كما أن ربط هذه الممارسات بالدين، حتى وإن كان بشكل غير مباشر، ينعكس سلبًا على صورته في أذهان بعض الأفراد، خاصة الشباب، الذين أصبحوا أكثر حساسية تجاه أي تناقض بين الخطاب الديني والممارسة الفعلية، وهذا يفتح الباب أمام تساؤلات قد تتجاوز نقد الممارسة إلى التشكيك في القيمة نفسها،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مصراوي
