وقف عند حافة الذكريات كما يقف الغريب على أطلال وطنٍ لم يعد يعرفه، يحدّق في تفاصيل عمرٍ انقضى، ويسترجع مشاهد لم تكن يومًا عابرة، بل كانت نسيجًا من صدقٍ نادر وقلبٍ لم يعرف القسوة طريقًا إليه. لم يكن بكاؤه ضعفًا، بل كان انكسارًا لرجلٍ حمل في داخله من الرحمة ما يفوق احتماله، فصار يدفع ثمن نقائه من أعصابه وروحه، حتى استحال الحنين لديه وجعًا مقيمًا لا يغادره.
كان رقيق القلب، مرهف الإحساس، يرى في الناس انعكاسًا لما بداخله، فيمنحهم من صدقه ما لا يستحقون، ويمنحهم من ثقته ما لم يطلبوه. ظنّ أن المحبة متبادلة، وأن الإخلاص يُقابَل بمثله، وأن القلوب تُقاس بما فيها من صفاء، لا بما تخفيه من نوايا. لم يدرك أن بعض النفوس لا ترى في الطيبة إلا فرصة، ولا في الوفاء إلا مدخلًا للاستغلال.
كان وفيًا للكلمة، حافظًا للعهد، يسير بين الناس بضميرٍ حيّ لا يساوم، يتقي الله في معاملاته، ويجعل من أخلاقه ميزانًا لا يختل. كانت عاطفته تقوده، لكنها في الوقت ذاته كانت تستنزفه؛ يعطي دون حساب، ويضحي دون أن ينتظر مقابلًا، حتى صار العطاء عنده عادة، وصار الأخذ عند غيره حقًا مكتسبًا.
وفي خضم ذلك، التفّت حوله ذئابٌ بشرية، لا تعرف من العلاقات إلا مبدأ المنفعة، ولا من القيم إلا ما يخدم مصالحها. خدعوه وهو يحسن الظن، واستنزفوه وهو يظن أنه يُحسن الصنيع، وطمعوا فيه رغم ضيق حاله، لأنه كان متعففًا، يخفي حاجته خلف كبرياء النفس ونقاء الروح، حتى صدق فيه الوصف: يُحسب غنيًا من التعفف.
لم يكن سقوطه فجائيًا، بل كان تآكلًا بطيئًا، بدأ حين غلبت عاطفته على حذره، وحين قدّم غيره على نفسه مرارًا حتى لم يبقَ له شيء يقدمه. وحين انتهت حاجتهم إليه، لم يكتفوا بالانسحاب، بل اجتمعوا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية
