يكاد القارئ العربي، رغم ترجمة أعمال ماكس بيكارد إلى معظم لغات العالم، يجهل تمامًا هذا الفيلسوف والكاتب اللاهوتي المهم الذي أُطلِق عليه اسم «ضمير أوروبا»، ناهيك عن غياب تام لأي ترجمة لكتبه ودراساته إلى العربية، وانعدام كلي لأيّ بحث، أو متابعة فكرية أو أدبية لأفكاره التي تشغل مكانة مهمة في اللاهوت المعاصر، والتي جعلت كُلًا من الروائي هيرمان هيسّه والشاعر ريلكه من بين أشد المحمّسين لكتاباته.
تنبع أهمية فكر الكاتب والفيلسوف السويسري-الألماني بيكارد من تفرّد الموضوعات التي عالجها، والقضايا الحساسة التي تناولها في كتبه ومقالاته وشرع بها منذ عام 1919، وتقوم الأفكار الرئيسية في أعمال بيكارد على وقوف الإنسان بين طرفي معادلة شاقة؛ «مسؤولية محتومة وإمكانية أن يختار».
وانطلاقًا من ذلك، اعتبر بيكارد كل ما لحق بالبشرية من مآسٍ تالية نتيجة منطقية لانعدام التوازن بين طرفي هذه المعادلة، وبسبب غياب الانسجام، سواء في العالم الخارجي الذي يعيش فيه الإنسان أو عالمه الداخلي.
ولهذا فإن الإنسان في العصر الحديث يعيش، بحسب تصوره، حالة تشرذم وهروب جماعي دائم، وقد رأى في الحروب، وصعود الديكتاتوريات وما تبعها من خراب وتدمير طاول الحضارة والإنسان، ومنها صعود الهتلرية إلى السلطة في ألمانيا، تجسيدًا حيًا لهذا الخلل في التوازن بين عالم الإنسان الداخلي وعالمه الظاهري.
في كتابه «فن الصمت» (دار التنوير، 2018)، الذي قدّم له جابريل مارسيل وترجمه قحطان سالم، يقول بيكارد:
«عندما نتوقف عن الكلام، فليس ما يحدث ببساطة الصمت. إنه أكثر من مجرد انصراف سلبي عن اللغة؛ من محض حالة يمكننا أن ننتجها بالإرادة. عندما تتوقف اللغة، يبدأ الصمت. لكنه لا يبدأ لأن اللغة تتوقف. غياب اللغة يجعل وجود الصمت ببساطة أكثر وضوحًا» (ص 23).
يرى بيكارد أن «الصمت هو ظاهرة مستقلة. ولهذا فإنه لا يتطابق مع تعطيل الكلام. إنه ليس مجرد ظرف سلبي يبدأ عندما يُزال الظرف الإيجابي؛ إنه على العكس كُلّ مستقل، يقتات على نفسه وخلالها. إنه خلّاق، مثلما هي اللغة خلّاقة؛ وهو مكوّن للمخلوقات الإنسانية مثلما هي اللغة تكوينية، لكن ليس بالدرجة نفسها. ينتمي الصمت إلى بنية الإنسان الأساسية» (ص 23).
من هذا المنطلق فإن «الصمت ليس مجرد شيء سلبي؛ إنه ليس مجرد غياب للكلام. إنه إيجابي، عالم كامل بذاته. الصمت يمتلك عظمة لأنه ببساطة موجود، لأنه يكون. وتلك هي عظمته، وجوده النقي» (ص 25).
وبحسب بيكارد، فإنه «لا يستطيع المرء أن يتصور عالمًا ليس فيه هناك شيء سوى اللغة والكلام، لكن يستطيع المرء أن يتخيّل عالمًا حيثما لا يكون هناك شيء إلا الصمت. يحتوي الصمت كل شيء في ذاته. إنه لا ينتظر أي شيء؛ إنه حاضر دائمًا وبصورة كلية في ذاته ويملأ تمامًا الحيز الذي يظهر فيه» (ص 25-26).
وربما يستوقفك مع رأي الكاتب؛ إذ يقول:
«يقف الصمت خارج عالم الربح والمنفعة؛ لا يمكن استغلاله من أجل الربح؛ لا يمكنك أن تحصل على أي شيء منه. إنه «غير منتج». لهذا اعتُبِر بلا قيمة. مع ذلك يوجد هناك عون وشفاء في الصمت أكثر من كل «الأشياء النافعة». يظهر الصمت غير المثمر والعبثي فجأة إلى جانب الهادف كليًا، ويخيفنا بواسطة لا قصديته ذاتها» (ص 27).
في فصلٍ تحت عنوان «الصمت كأصل للكلام»، يقول ماكس بيكارد:
«وُلِدَ الكلام من الصمت، من الصمت الكامل. كان كمال الصمت قد انفجر لو أنه لم يكن قادرًا على التدفق في كلام. يكون الكلام الذي ينبعث من الصمت كأنه مبرر بالصمت الذي يسبقه. إنه الروح التي تشرعن الكلام، لكن الصمت الذي يسبق الكلام هو الأم الحبلى التي حُررت من الكلام بواسطة نشاط الروح الخلاق. علامة هذا النشاط المبدع للروح هو الصمت الذي يسبق الكلام» (ص 31).
الشاهد أن الصمت يكشف عن نفسه في آلاف الأشكال التي يتعذر وصفها: سكون الفجر، في تطلع الأشجار الهادئة نحو السماء، في هبوط الليل الخفي، في التغير الصامت للفصول، في سقوط أشعة القمر، تترشح في الليل مثل مطر الصمت. الصمت هو عالم بحد ذاته، ومن عالم الصمت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مصراوي
