ولد ناصر المزداوي في طرابلس عام 1950، ودرس الموسيقى العربية في معهد "جمال الدين الميلادي"، وتدرب على غناء القوالب الشرقية المتنوعة. لكنه إيضًا كان منفتحًا على الموسيقى الغربية، متأثرًا بروح فرق الستينات العالمية مثل "البيتلز" و "بينك فلويد".
في سن مبكرة جدًا أسس فرقته "النسور"، وبدأ يمزج الآلات الغربية مع الآلات الشرقية، مقدّمًا شكلًا خارج إطار المدرسة التراثية المسيطرة على الساحة. مشروع بدا وكأنه صياغة جديدة للأغنية الليبية بشكل معاصر، بالتزامن مع ظهور أسماء جديدة مثل أحمد فكرون ليقود مع المزداوي تيارًا موسيقيًا متحررًا من القيود القديمة.
x
الغُربة .. من تجربة إنسانية إلى لحن دائم ! عام 1973 اندلعت الثورة الثقافية الليبية التي أشعل الشباب فتيلها، فرأى النظام الليبي وقتها أن شباب المطربين والموسيقيين طرف أساسي في هذا الحراك الذي يهدد بقائه، فألقى القبض على مئات المثقفين والكتاب والفنانين الشباب، بتهمة "دعم الغزو الثقافي الغربي"، وأحرقت السُلطة آلاتهم الموسيقية، ومُنعت أغاني المزداوي وفكرون مما اضطرهم للهرب من هذا الجحيم إلى أوروبا.
لم تكن الغُربة مجرد سبيل للهرب، بقدر ماكانت لحظة إنسانية ساهمت في صناعة مشروع موسيقي انطلق بالمزداوي نحو العالمية، ففي عام 1975 أطلق ألبومه الأول "أغنيات في الغربة" بمشاركة فرقة "النسور".
ضم الألبوم أغنيات ذات طابع شخصي تحدثت في مجملها عن تجربته مع الغربة مثل: (الرقة مشينا شنطة سفر عيون عربيات لا من نشد عني).
كلمات مُشبعة بألم الحنين على إيقاعات الروك والفانك. مشروع موسيقي ثوري وصلت أصداؤه لربوع أوروبا والوطن العربي، ونال عنه الأسطوانة البلاتينية كأصغر فنان عربي ينالها.
x في المقابل كانت أصداء هذا المشروع قد وصلت مصر، التي كانت تشهد إرهاصات حراك موسيقي للتمرد على الشكل الكلاسيكي للأغنية.
وعُرف اسم المزداوي في مصر بعد أن طرح نسخة جديدة من الألبوم باسم "الغربة"، وحقق نجاحًا كبيرًا بين الشباب العربي.
إعادة صياغة الأغنية الليبية هذه التجربة شجعت المزداوي على تقديم ألبوم جديد بعنوان "أنغام ليبية حول العالم" عام 1983. مزج فيه بين الألحان الليبية التراثية والمعاصرة مع التوزيع الغربي، معيدًا صياغة أغنيات تراثية مثل ( جرت السواقي واطت العين علي النوم بعته) وأعمال لسلام قدري وكاظم نديم و محمد الكعبازي وآخرين .
بعدها أعاد المزداوي تقديم أغنيات فرقة "الموسيقى الحرة" في ألبوم بعنوان "ناصر المزداوي 85" من إنتاج شركة الشرق المصرية، حيث سعى من خلال هذه التجربة لطرح أغاني الفرقة برؤية موسيقية جديدة .
ثم جاء الألبوم الذي توج تجربة المزداوي. "رحلة عمري" الذي ضم أغنيات مثل: (سمارة رحلة عمري أول موعد مكالمة يامصر) .
في هذا العمل، كتب ولحن ووزع المزداوي معظم الأغاني بنفسه، مقدمًا غناءً ذاتيًا مُشبعًا بالشجن، في تجربة تعكس تأثره الشديد بما عاشه في المهجر .
x ومعه ظهرت ملامح مشروع المزداوي بوضوح، معتمدًا على اللحن البسيط ظاهريًا، مع حضور واضح للجيتار الكهربائي، والأغنية القصيرة التي تعتمد على "الصدمة" في بدايتها، وهو ما سيصبح لاحقًا سمة أساسية في أغنية التسعينات.
"نور العين" الأغنية التي غيرت الخريطة! لم تقتصر تجربة ناصر المزداوي على التلحين لنفسه فقط، فحين نتوقف أمام تجربته كملحن، لا بد أن نتذكر "نور العين" لعمرو دياب. الأغنية التي مثّلت لحظة إعادة تعريف صوت المنطقة عالميًا.
حكى لي المزداوي في لقاء سابق أن "نور العين" كانت آخر أغنية سجّلها عمرو دياب في الألبوم. كان عماد شقيق عمرو على معرفة بالمزداوي، وفي أحد لقاءاتهما سمع لحن الأغنية على كلمات ليبية، فأخبر عمرو بها.
لم يتردد الأخير لحظة حيث اتصل بالمزداوي، وسمع منه اللحن عبر الهاتف، وفي اليوم التالي كان في الاستوديو يضع اللمسات الأولى على الأغنية ليسجلها ويضمها للألبوم.
ما لا يعرفه كثيرون أن ناصر المزداوي لم يصغ لحن الأغنية فقط، بل شارك فعليًا في صياغة بنيتها الهارمونية عبر عزف الكوردات الأساسية على الجيتار، وهي نقطة شديدة الأهمية في فهم العمل.
شرح لي المزداوي تلك النقطة قائلًا: "الجيتار لم يكن آلة مصاحبة، بل هو العمود الفقري للأغنية. الكوردات تتحرك في مسار دقيق بسرعة مناسبة للمستمع العربي. لم يستوعب الجمهور محاولة سابقة لعمرو دياب لتقديم موسيقى الفلامنكو في أغنية "ويلوموني" لأنها كانت سريعة جدًا. دياب كان مدركًا لهذه النقطة، وفهم بنية لحني، ولهذا أصر على تواجدي في التسجيل وإشرافي على العزف".
هذا يؤكد عُمق بصمة المزداوي الموسيقية. هو ابن تجربة مبكرة مزجت الجيتار بالأغنية العربية في ليبيا منذ السبعينات، وبالتالي حين وصل هذا المزج إلى القاهرة، لم يكن بالنسبة له تجربة جديدة، بل امتداد طبيعي لمشروع بدأه منذ سنوات.
x واصل المزداوي رحلته مع الغناء، في ألبوم "الليلة" قدّم أغنيات مثل (يا طير يا مسافر-بلادي- نحلم- ياخويا الإنسان) حيث امتزج الخط العاطفي بالوطني والإنساني. ثم جاء ألبوم "وحداني" عام 2000 ليؤكد استمراريته، متضمنًا أعمالًا مثل ( ضي القمرة هدوء مش عادي- زي النسيم أحلى كلام)
لماذا لا يتذكرونه كثيرا؟! رغم هذا الإسهام المؤثر في الأغنية العربية الحديثة، إلا أن اسم المزداوي ظل منسيًا عن عمد لسنوات.
ربما لأن التاريخ الموسيقي العربي يُكتب غالبًا من مركز الصناعة، لا من أطرافها.
وربما لأن المزداوي لم يكن فنانًا يبحث عن الشهرة والنجومية، ولم يفكر في السيطرة على مفاصل الصناعة، بل سعى لصيغة موسيقية تعبر عنه.
وربما أيضًا بسبب تقاطع حياته الفنية مع السياسة، إذ كان انضمامه للمعارضة الليبية في الخارج أثره على حضوره العربي، وتداول اسمه إعلاميا عندما كان زمام الإعلام في يد القنوات الرسمية فقط.
ناصر المزداوي لم يختفِ. هو فقط رفض أن يكون جزءًاماكينة دعائية ضخمة، لم يجد من يرد له هذا الحق الضائع بعدما روج البعض لوفاته في الخارج وهو في أوج تجربته الموسيقية نهاية الثمانينيات. وجد اسم عائلته منسوبًا لفرق موسيقية، وأغانيه تُطرح بأصوات أخرى تنسبها لنفسها، وتكتفي بذكره كملحن فقط دون إذن منه.
كل ذلك عنون مسيرته بسؤال مهم:
كم رائدًا غيّر الخريطة .. ولم تُكتب قصته كاملة؟
هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية
