عندما تتزايد هذه الصدمات، لم يعد امتلاك الموارد كافيا، بل القدرة على ضمان تدفقها للسوق تحت اسوأ السيناريوهات هو الشرط الأساس لاستقرار الدول اقتصاديا وماليا...
د. زياد الزيدي
إعلان وزارة النفط العراقية في العشرين من مارس 2026 حالة القوة القاهرة يمثل فعليا تعليق قانوني شامل لالتزامات التصدير نتيجة ظرف قهري خارجي يتمثل في إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الناقلات، ما يجعل تنفيذ العقود النفطية غير ممكن عمليا ويبرر إيقاف أو تقليص الإنتاج في الحقول التي تديرها شركات دولية وفقا لبنود الحماية التعاقدية المعتمدة عالميا.
السبب المباشر للأزمة هو الأعمال الحربية في مضيق هرمز، حيث تمر نسبة تقارب خمس تجارة النفط العالمية، الا أن الجذور تعود الى سلسلة صدمات أعادت تشكيل فهم العالم للاقتصاد وسلاسل الإمداد. جائحة كوفيد-19 كانت الضربة الأولى، حين انهارت سلاسل الإمداد العالمية أمام إغلاق الحدود وتعطل المصانع، واكتشفت الدول أن (الكفاءة) التي بنت عليها عولمتها كانت في الواقع هشاشة مقنعة. ثم جاءت حرب أوكرانيا لتضيف بعد أكثر حدة، حيث تحولت الطاقة والغذاء إلى أدوات صراع، وأُعيد تسليح الجغرافيا، ليس فقط عسكريا بل اقتصاديا. بعدها، جاءت تعريفات ترامب وما تبعها من سياسات حمائية لتؤكد أن العولمة لم تعد إطارا ثابتا، بل ساحة تنافس استراتيجي، حيث تعاد صياغة التجارة وفق اعتبارات السيادة لا الكفاءة.
ومع توقف الملاحة يصبح العراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على موانئ البصرة، غير قادر على تصدير ما يقارب 3.2 3.3 مليون برميل يوميا، وهو ما يفسر الانتقال السريع من التشغيل الكامل إلى التعطيل شبه الكلي. فخروج هذا الحجم من الإمدادات يعيد تسعير النفط، ويرفع علاوة المخاطر، ويمنح أفضلية للدول التي استثمرت مبكرا في تجاوز عنق هرمز. هنا تتحول الجغرافيا من ميزة إلى قيد، ومن موقع إلى مصيدة. وهذا يعني أنه في عالم ما قبل الحروب الممتدة، كان النفط يقاس بحجم الاحتياطي والإنتاج. أما اليوم، فقد أصبح يقاس بقدرة الدولة على ضمان تدفقه تحت أسوأ السيناريوهات. وهنا تحديدا تتكشف الأزمة العراقية، كنموذج مكثف لتحول أعمق في اقتصاديات الطاقة العالمية: الانتقال من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد (استمرارية التدفق).
الأسباب الأعمق في الحالة العراقية تتجاوز الحدث العسكري وتكمن في هيكل اقتصادي أحادي يعتمد بنسبة تفوق 90% على إيرادات النفط، وبنية تصدير مركزة عبر ممر واحد عالي المخاطر، مع ضعف استراتيجي في تنويع خطوط الأنابيب البديلة نحو تركيا أو الأردن أو غيرها، ما جعل الصدمة الجيوسياسية تتحول مباشرة إلى صدمة مالية سيادية. من هنا يمكن توصيف الحالة العراقية ضمن ما يمكن تسميته بـ (اقتصاديات الاعتماد القسري): وهو نمط اقتصادي تصبح فيه الدولة رهينة لمسار لوجستي واحد لا تملك بديلا له، بحيث يتحول أي خلل خارجي في هذا المسار إلى أزمة سيادية داخلية. في هذا النموذج، لا يكون النفط مصدر قوة، بل مصدر هشاشة، لأن قيمته الفعلية لا تتحدد بكمية إنتاجه، بل بمرونة مساراته.
حجم الخسارة اليومية، وفق تقديرات قريبة من الواقع، يتجاوز 300 مليون دولار عند مستويات أسعار مرتفعة، ما يعني خسائر شهرية تقارب 10 مليارات دولار، ومع الأخذ في الاعتبار أن إعادة الإنتاج التدريجي قد تستغرق 3 إلى 4 أشهر بسبب تعقيدات إعادة التشغيل وسلاسل التشغيل، فإن الخسائر التراكمية قد تصل إلى نطاق 30 40 مليار دولار، وهو رقم ذو أثر مالي عميق على الاستقرار الاقتصادي للعراق. لذا فإن ما حدث في العراق ليس مجرد إعلان قانوني عادي، بل لحظة انكشاف اقتصادي حاد لنموذج كامل بني على فرضية الاستقرار.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
