تتصاعد حدة المواجهة بين واشنطن وطهران في ظل تداخل الضغوط العسكرية مع التحركات الدبلوماسية من أجل التفاوض على وقف إطلاق النار، في مشهد معقد يعكس صراع الإرادات أكثر مما يعكس مسارًا تفاوضيًا تقليديًا.
وفي هذا السياق، سلّمت الولايات المتحدة عبر وسطاء وثيقة تتضمن 15 بندًا لإنهاء الحرب، تشمل في مرحلتها الأولى وقفًا لإطلاق النار لمدة شهر. وتعكس هذه البنود سقفًا مرتفعًا من المطالب الأمريكية، إذ ترى الإدارة الأمريكية أن سيطرتها على المجال الجوي وإضعاف القدرات الإيرانية نتيجة الضربات المكثفة يمنحانها موقع تفاوض متقدمًا.
شروط إيران وواشنطن وقد حددت واشنطن مطالب رئيسية تتمثل في فتح مضيق هرمز وضمان عودة الملاحة البحرية إلى طبيعتها، والإنهاء الكامل للأنشطة النووية الإيرانية مع تسليم اليورانيوم المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى حصر القدرات الصاروخية الإيرانية في الأغراض الدفاعية فقط، ووقف دعم طهران لوكلائها في المنطقة. وفي المقابل، تلوّح الولايات المتحدة برفع كامل العقوبات المفروضة على إيران في حال الالتزام بهذه الشروط.
ورغم هذا المسار التفاوضي المعلن، لا تزال حالة من الغموض تكتنف هوية الطرف الإيراني القادر على التفاوض، خاصة بعد استهداف عدد كبير من قيادات الصفين الأول والثاني. كما برزت خلافات حول تشكيل الوفد التفاوضي، حيث رفضت طهران مشاركة مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، وكذلك جاريد كوشنر، مفضلة إعادة تشكيل المسار التفاوضي، في حين تم الدفع بنائب الرئيس جي دي فانس ليكون في قلب هذه العملية. هذا الغموض يطرح تساؤلات حول جدية المفاوضات وإمكانية انطلاقها فعلياً.
وفي موازاة ذلك، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن النظام في إيران قد شهد تغيرًا بالفعل، مشيرًا إلى وجود مجموعة جديدة من القادة في طهران، قال إنهم قدموا له "هدية كبيرة" على صعيد النفط والغاز، وهو ما عزز من توقعاته بتحقيق مكاسب استراتيجية من هذه الحرب، رغم امتناعه عن الكشف عن أسمائهم.
في المقابل، تشير المعطيات الأولية إلى أن الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية لم يكن إيجابيًا، وفق ما نقلته وسائل إعلام، بينما تؤكد مصادر تركية أن المطالب الأمريكية وصلت إلى طهران عبر وسطاء دون أن يصدر رد رسمي حتى الآن. وتبدو إدارة ترامب ماضية في خيارين لا ثالث لهما: إما التوصل إلى اتفاق يحقق كامل الأهداف الأمريكية، أو اللجوء إلى الحسم العسكري بعد انتهاء مهلة محددة بخمسة أيام، بما يضمن تحقيق هذه الأهداف بالقوة.
وعلى مستوى الشروط المتبادلة، تتمسك واشنطن بتقييد القوة العسكرية والصاروخية الإيرانية، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإنهاء البرنامج النووي وإخراج اليورانيوم المخصب، إضافة إلى وقف دعم الوكلاء في المنطقة. وفي المقابل، تطرح طهران شروطًا مضادة تشمل وقف الحرب مع ضمانات بعدم تكرارها، والحصول على دور في إدارة مضيق هرمز، والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، فضلًا عن وقف استهداف حلفائها الإقليميين.
موقف إيراني متحفظ يرى الباحث السياسي الدكتور حمود الرويس أن طهران تحاول إخفاء رغبتها الفعلية في التفاوض عبر رفع سقف مطالبها، مشيرًا إلى وجود مركزين للقرار داخل إيران: الأول سياسي يتسم بالمرونة والعقلانية، ويمثله رئيس الدولة، وقد ظهر ذلك في مواقف تهدئة سابقة، والثاني يتمثل في التيار المتشدد الذي يمتد من المرشد إلى الحرس الثوري وجزء واسع من البرلمان.
وأكد الرويس في مداخلة عبر برنامج "هنا الرياض" المذاع على قناة الإخبارية، أن البرلمان يلعب دور المؤشر على توجهات الدولة؛ فإذا اتجه نحو الدبلوماسية دلّ ذلك على رغبة ضمنية في التهدئة، أما إذا تصاعدت لهجته، فيعكس ذلك توجهًا نحو التشدد والضغط.
ويضيف الرويس أن إيران، رغم خطابها المتشدد، تبدو داخليًا أكثر ميلًا للدخول في مفاوضات، لكنها تحاول الظهور بمظهر الطرف غير المستعجل، عبر فرض شروط شكلية تتعلق بهوية المفاوضين ومكان التفاوض، بهدف تحسين موقعها التفاوضي. ويشير إلى أن المرحلة الحالية تشبه إلى حد كبير العمليات العسكرية من حيث الحاجة إلى إدارة النفس الطويل، وفرض الشروط، والسعي للخروج بصورة المنتصر.
في المقابل، تلعب إسرائيل دورًا ضاغطًا على مسار التفاوض، إذ تسعى وفق هذه القراءة إلى تقويض أي مسار دبلوماسي، متمسكة بهدفها المعلن منذ بداية الحرب والمتمثل في تغيير النظام الإيراني، وهو هدف لم تتبنّه واشنطن بشكل صريح. وترى إسرائيل أن إنهاء القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل وتصفية القيادات الحالية يمثلان المسار الأمثل، مع الدفع نحو ظهور قيادة جديدة ذات طابع مختلف. وبذلك، تتحول إسرائيل إلى عامل ضغط ميداني يقابل الخطاب الأمريكي الأكثر ميلًا للدبلوماسية، بحسب قول الرويس.
وبين التصعيد العسكري والرهانات السياسية، تبدو المفاوضات المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران محاطة بتعقيدات كبيرة، حيث تتشابك الشروط المتبادلة مع حسابات الداخل الإيراني وضغوط الحلفاء، ما يجعل الوصول إلى طاولة التفاوض أمرًا صعبًا في الوقت الراهن، ويؤكد أن "حرب الشروط" لا تزال في ذروتها بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
