في واحدة من مقابلاته، يقول أحمد قعبور أن بدايات تكوّن ذاكرته السمعية لم تنبع من تدريب موسيقي مباشر، بل من محيطه اليومي في بيروت. في البيت، كان لصوت والده المعروف باسم محمود الرشيدي، أحد أوائل عازفي الكمنجة في لبنان، حضورٌ أساسي، حيث امتزج صوت العزف بسعالٍ ثقيل رافقه نتيجة إصابة في الرئتين، فشكّل هذا التداخل علامة دائمة في المشهد الصوتي اليومي، بما يحمله من دلالة على قسوة الظروف وهشاشة الحياة.
عاش قعبور حياته في أحياء بيروت الشعبية التي لعبت دورًا مركزيًا في تشكيل هذا الوعي السمعي، إذ كانت أصواتها اليومية، خاصةً حوافر الخيل التي تمرّ في الشوارع صباحًا، تُنتج إيقاعًا متكررًا ارتبط بحركة الناس وبداية النهار، والتي رسخت في ذاكرته كأحد العناصر الأولى التي ساهمت في تكوين حسّه تجاه الصوت قبل دخوله عالم الموسيقى بشكل فعلي.
المدينة في ذاكرة قعبور
بدأ أحمد قعبور الغناء فعليًا خلال مرحلة المدرسة في دار المعلّمين في بئر حسن، حيث تعرّف هناك إلى أجواء طلابية وثقافية واسعة وشجّعه أساتذته على الأداء. كان من أبرزهم الأستاذ سليم فليفل، الذي لاحظ صوته وطلب منه الغناء منفردًا، ثم اصطحبه مع مجموعة من الطلاب إلى الإذاعة اللبنانية، حيث سجّلوا مجموعة من الأناشيد بمرافقة البيانو. ومن بينها أناشيد مدرسية ووطنية كانت تُبث عبر الإذاعة في تلك الفترة، ما شكّل أول تجربة عملية له في الغناء والتسجيل.
تشكلت مسيرته من تداخل وعيٍ سياسي مبكر مع ذاكرة ثقافية مرتبطة ببيروت، إلى جانب تأثير أسماء فنية وأدبية بارزة، أبرزها الشاعر البيروتي عمر الزعنّي. ومع بداية الحرب الأهلية، وبينما كان يعمل ضمن اللجان الشعبية، وجد نفسه في مقر بسيط يجلس فيه بين شوالات الرز والسكر، حين عثر على كتاب يتضمن قصيدة "أناديكم.. أشد على أياديكم" للشاعر الفلسطيني توفيق زياد. وبعمر لم يتجاوز الـ 19 عامًا، ومن دون أدوات أو تجهيزات، لحن القصيدة على غيتار من وترين كان متاحًا لديه، مستندًا إلى ما بين يديه لا أكثر.
في اليوم التالي، التقى غازي مكداشي، الذي يُعد من روّاد الأغنية السياسية اللبنانية، فعرض عليه الأغنية، ليطلب منه الانضمام إلى "الكورال الشعبي" الذي كان قد أسسه. هناك بدأت مرحلة جديدة انتقل فيها من تجربة فردية إلى عمل جماعي، ضمن مجموعة من الأسماء التي ستبرز لاحقًا في مجالي الغناء والمسرح، مثل عبيدو باشا وخالد الهبر، والتي ستتقاطع مسيرتهم مع مسيرته في محطات فنية لاحقة.
قدم الأغنية لأول مرة في قبو الجامعة العربية في بيروت، أمام جمهور من الجرحى المدنيين، ويقول في واحدة من مقابلاته أنه أعادها على مسامعهم أكثر من سبع مرّات. ورغم أن الكلمات النابعة من القضية الفلسطينية، إلا أن ما أراده منها قعبور هو أن يدعو أطراف الصراع في بيروت إلى ترك الخلافات جانبًا عبر مناداة ومناجاة، في أغنية ظلت حاضرة حتى اليوم.
x بيروت يا بيروت يا قصة عندما بدأت شهرته استعاد كنيته البيروتية الأساسية، وتخلى عن كنية والده الفنية "الرشيدي" الذي حملها باعتبار قعبور ثقيلة. كان ألبوم "أناديكم" في منتصف السبعينات من أوائل أعماله، وقد مثل فاتحة لمسيرة فنية طويلة تقاطعت فيها الموسيقى مع الشعر والمسرح. على امتدادها، قدّم نحو ثمانية ألبومات، ظلّت بيروت بحياتها الشعبية عنصرًا حاضرًا فيها، بوصفها فضاء ملهم وموضوع متكرر في أغانيه.
في ألبومه الثاني "حب" سنة 1985، قدم أحمد قعبور واحدة من أجمل الأشعار التي كُتبت عن بيروت، من كلمات عبيدو باشا الذي زفها كعروس قائلًا "مرحى مرحى جيبو الطرحة لبيروت". كان هناك سعي واضح لدى قعبور وباشا إلى تقديم بيروت بصورة مغايرة للصورة الكئيبة التي طغت على كثير من الأعمال الفنية خلال سنوات الحرب، من دون أن يعني ذلك تجاهل الواقع أو القفز فوقه، بل محاولة مقاربته من زاوية تحتفظ ببصيص من الفرح والأمل داخل مشهد مثقل بالتعب والاضطراب.
حملت الأغنية نبرة وجدانية مشبعة بالحنين، لكنها لم تنزلق إلى الرومانسية البسيطة، بل بقيت على مسافة نقدية أظهرت بيروت في حالتها المزدوجة: مدينة تحتفظ بجمالها ورمزيتها، لكنها في الوقت نفسه مثقلة بالانكسارات اليومية.
أعطاها قعبور لحن اقترب من إيقاع البلدي ولكنه مشبع بجمل لحنية نوستالجية، تبكينا على بيروت وحالها اذا فرحت أو حزنت، وشاركه بتوزيعها زياد الرحباني الذي وزع كل الألبوم. والجدير بالذكر أن هذه كانت نفس السنة الذي شارك معه بالتمثيل بمسرحيته "شي فاشل".
x ساعده على نقل هذه الحالة أنه تعاون بالغناء مع كورال دار الأيتام الإسلامية الذي قضى قعبور وقتا طويلًا مع أطفاله ليختار أصوات، والتي عرفت كيف تنقل كل شعور في القصيدة. كما لا يمكن أن ننسى أنه قدم معهم "علوا البيارق" واحدة من أشهر الأغاني الرمضانية التي وثقت لياليه في بيروت، وارتبطت بذاكرة جيل التسعينات.
أمّا خلال فترة التسعينات، كتب أحمد قعبور أغنية من كلماته إلى بيروت اسمها "شو بدك"، وغنّاها عباس شاهين بصوت يختزل علاقة حميمة بالمدينة، حيث يقول: "لنّا صغيرة ولنّا كبيرة، لكن على قدّي وعلى قدّك/ إن كبرت بتساع الدنيي، وإن صغرت بوسة على خدك". هنا بدت بيروت ككائن قريب ومألوف، يُخاطَب بلغة بسيطة ومباشرة، تعكس علاقة تقوم على الألفة والتوازن بين الامتداد والانتماء.
x أحمد قعبور وعمر الزعني "أخيراً تمكّن أحمد قعبور من تحقيق حلمه، وأصدر أسطوانة "أحمد قعبور يغني عمر الزعنّي". هكذا عنونت الصحف اللبنانية مقالاتها عندما أصدر قعبور هذا الألبوم، وكإنه كان المنتظر ولو جاء متأخرًا عام 2011 أي بعد حوالي 36 عام على بداية مسيرته.
تعامل قعبور مع هذه الأشعار كمواد أرشيفية قابلة للغناء وإعادة التقديم، مع الحفاظ على روحها الأصلية ولغتها الساخرة المرتبطة بالواقع الاجتماعي والسياسي، فأعاد إحيائها ضمن قراءة موسيقية معاصرة تحفظ لها هويتها وتفتحها على جمهور جديد.
في "بيروت زهرة في غير أوانها" رسم صورة لمدينة جميلة لكنها مثقلة بالتناقضات، مدينة كان يمكن أن تكون أحسن من هيك لولا أزماتها الداخلية، حيث يمتزج الحنين بالنقد والمرارة في وصف واقعها. حتى أنه وضع لمسته واستبدل تشاؤم عمر الزعني في بيت يا ضيعانك يا بيروت ليقول : مش رح قول يا ضيعانك يا بيروت".
كما استحضر الألبوم أيضًا بيروت وشخصياتها الشعبية مثل أبو عفيف ، الشخصية البيروتية الواقعية التي عُرفت بمطعمه المشهور وحضورها الاجتماعي الواسع، بالإضافة إلى أغاني ارتبطت بتفاصيل الحياة اليومية كحبّ السينما وسباق الخيل والرقص، في توثيق حيّ لنمط عيش اجتماعي متنوع.
وقد ساهم في إعادة اسم الزعنّي إلى الواجهة أمام الجيل الجديد، بعد أن أعاد قيمة هذه النصوص كجزء من ذاكرة المدينة ومرآة لتحوّلاتها عبر الزمن.
x قد يصعب على من نشأ في بيروت أن لا تكون أعمال أحمد قعبور جزءًا من ذاكرته السمعية. بالنسبة لي، بدأ هذا الحضور منذ الطفولة، حين كانت القنوات اللبنانية تعرض صباح كل سبت عروض مسرح الدمى للأطفال التي شارك في تلحينها وتأليف أغانيها، مثل شو صار بكفر منخار و كلّه من الزيبق .
كان ما قدمه جزءًا من يومياتٍ عاشها أطفال بيروت، في أوقات مختلفة من الزمن، كبروا اليوم وصارت ذاكرة المدينة مربوطة بقعبور، بصورة بيروت التي حملها في أغنياته، بكل ما فيها من حياة شعبية وحنين وتعب ومقاومة للانكسار.
x
هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية
