العقيدة الدفاعية والحرب اللا متكافئة
كيف شكّلت عقيدة 1993 سلوك إيران حتى اليوم؟
الدكتور ثائر العجيلي
المقدّمة الاستراتيجية
من "أم القرى" إلى عقيدة 1993:
حين يصبح الأمن فكرة قبل أن يكون سلاحًا
في فهم السلوك الاستراتيجي لـ إيران، لا يمكن قراءة عقيدتها الدفاعية بوصفها نتاجًا عسكريًا صرفًا، بل باعتبارها امتدادًا لبنية فكرية أعمق تشكّلت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وفي مقدمتها نظرية أم القرى التي صاغها محمد جواد لاريجاني، والتي أعادت تعريف موقع إيران ليس كدولة قومية محصورة بحدودها، بل كمركزٍ لمنظومة أوسع يُفترض الحفاظ على تماسكها واستمراريتها.
وفق هذا التصور، لا يبدأ الأمن من الحدود، بل من المركز؛ ولا تُقاس التهديدات بما يحدث داخل الإقليم فحسب، بل بما يهدد وظيفة هذا المركز ودوره في البيئة المحيطة.
ومن هنا، فإن الدفاع لا يُختزل في منع الاختراق العسكري، بل يتجاوز ذلك إلى منع كسر المركز ذاته - سياسيًا وأيديولوجيًا ووظيفيًا.
وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم "حماية بيضة الإسلام" كأحد المرتكزات الضمنية في هذا التفكير، حيث لا يُنظر إلى الدولة بوصفها كيانًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها وعاءً يجب الحفاظ عليه واستمراره، بما يمنح فكرة الصمود بعدًا يتجاوز الحسابات العسكرية إلى مستوى الالتزام العقائدي.
عندما خرجت إيران من الحرب العراقية الإيرانية، كانت قد أدركت أن حدودها الجغرافية لا تكفي لحمايتها، وأن التفوق العسكري التقليدي لخصومها - كما تجلّى لاحقًا في حرب الخليج - يجعل أي اعتماد على نموذج الدفاع الكلاسيكي خيارًا محدود الجدوى. في تلك اللحظة، التقت الرؤية الفكرية مع الضرورة العسكرية، لتُنتج ما يمكن وصفه بـ:
"العقيدة الدفاعية الممتدة" - دفاع عن المركز عبر توزيع التهديد، لا عبر احتوائه داخل الحدود.
وبهذا المعنى، لم تكن عقيدة 1993 مجرد استجابة عسكرية لمرحلة ما بعد الحرب، بل ترجمة عملية لفكرة أن حماية "أم القرى" لا تتم عند الأسوار، بل عبر دوائر أوسع من التأثير والاشتباك.
ففي مطلع التسعينيات، لم تكن طهران بصدد بناء "جيش نصرٍ تقليدي"، بل كانت تؤسس منظومة بقاء وردع واستنزاف. منظومة تنطلق من إدراك واقعي مفاده أن إيران، في ميزان القوة التقليدية، لا تستطيع حسم مواجهة سريعة مع قوة كبرى، لكنها قادرة على جعل أي محاولة لإخضاعها مكلفة، طويلة، ومعقدة النتائج.
ومن هنا، لم تُصَغ هذه العقيدة لمنع الحرب فقط، بل لإدارتها إذا فُرضت،على قاعدة واضحة:
الردع لا يتحقق بمنع الخصم من الدخول إلى الحرب، بل بجعل خروجه منها سياسيًا وعسكريًا أكثر كلفة من دخوله.
1 البيئة التي صنعت عقيدة 1993
هناك أربع صدمات كبرى شكّلت هذه العقيدة:
1) صدمة الحرب العراقية-الإيرانية 1980-1988
هذه الحرب زرعت في الذهن الإيراني عدة دروس:
أن الحشد البشري وحده لا يكفي، وأن الاعتماد على المعدات الأجنبية خطر، وأن التفوق الجوي والصاروخي للخصم يمكن أن يترك أثرًا نفسيًا واستراتيجيًا عميقًا، خاصة بعد "حرب المدن". الدراسات المتخصصة تربط صراحةً بين تلك التجربة وبين تحول الصواريخ إلى مركز الثقل في الردع الإيراني لاحقًا.
2) صدمة التفوق الأميركي في حرب الخليج 1991
حرب تحرير الكويت كانت لحظة مفصلية. فقد أظهرت للعقل العسكري الإيراني أن القوة الأميركية تستطيع تدمير جيش كبير ومجهز خلال فترة قصيرة بواسطة التفوق الجوي، والقيادة والسيطرة، والاستطلاع، والضربات الدقيقة. لذلك تشير دراسة IISS إلى أن ما بعد 1991 دفع الإيرانيين إلى تطوير ما سُمّي لاحقًا الدفاع السلبي لمنع الطائرات والصواريخ الأميركية من كشف الأهداف الإيرانية وتدميرها.
3) إعادة بناء الدولة الأمنية بعد تعديل دستور 1989
تعديل دستور 1989 أنشأ المجلس الأعلى للأمن القومي بموجب المادة 176، ومنحه صلاحية تحديد سياسات الدفاع والأمن الوطني داخل الإطار العام الذي يرسمه المرشد، مع تنسيق السياسة والاستخبارات والموارد في مواجهة التهديدات. هذا مهم جدًا لأن عقيدة 1993 لم تكن عسكرية فقط؛ بل كانت عقيدة دولة/نظام تدمج السياسة، الأمن، الاقتصاد، التعبئة، والموارد الوطنية في مفهوم واحد للأمن.
4) مأزق البنية العسكرية المزدوجة
إيران خرجت من الحرب وهي تحمل ازدواجية بنيوية بين الجيش النظامي (أرتش) والحرس الثوري. وقد وُضعت القيادة العامة للقوات تحت مكتب موحد لرئاسة الأركان في 1988، لكن الحرس احتفظ بهياكله المستقلة واستعاد جزءًا من استقلاله المؤسسي لاحقًا. في الوقت نفسه، كانت هناك محاولات لتخفيف التوترات بين المؤسستين في مرحلة ما بعد الحرب. هذا يعني أن عقيدة 1993 وُلدت أصلاً تحت قيد تنظيمي: كيف تصوغ دولةٌ عقيدةً موحدة وهي تملك ذراعين عسكريتين مختلفتين في الثقافة والمهمة والهوية؟
2 التعريف الأدق للعقيدة الدفاعية الإيرانية في 1993
إذا أردنا صياغة تعريف مكثف لكنه عميق، فيمكن القول:
العقيدة الدفاعية الإيرانية عام 1993 كانت عقيدة ردع-استنزاف غير متكافئة، دفاعية في هدفها المعلن، هجومية في وسائلها التعويضية، ومصممة لحماية النظام والثورة والسيادة معًا، لا لحماية الحدود فقط.
وهنا الفرق الجوهري:
في العقائد التقليدية، الدفاع يعني صدّ الغزو وحماية الإقليم.
أما في التصور الإيراني المبكر بعد الحرب، فالدفاع يعني أيضًا:
حماية بقاء النظام السياسي.
منع شلّ القدرة الوطنية بضربة أولى.
إطالة أمد القتال إلى حد إنهاك الخصم.
تعويض الضعف الجوي والبحري التقليدي بأدوات أخرى.
ربط الداخل بالعمق الإقليمي على نحو تدريجي.
3 الطبقات السبع للعقيدة كما كانت تتشكل في 1993
الطبقة 1: بقاء النظام قبل كل شيء
المادة 176 من الدستور لا تتحدث فقط عن السيادة ووحدة الأراضي، بل أيضًا عن حماية الثورة الإسلامية. هذا يعني أن التهديد في التصور الإيراني لم يكن عسكريًا صرفًا، بل سياسيًا-أيديولوجيًا-أمنيًا. لذلك فإن العقيدة لم تُصمم فقط لهزيمة جيوش، بل لمنع كسر النظام من الداخل أو الخارج.
هنا يجب فهم نقطة شديدة الأهمية:
في 1993 كانت إيران ترى أن إسقاط النظام قد يبدأ بصواريخ، أو بتمرد داخلي، أو بعقوبات، أو بحرب نفسية، أو بإثارة الانشقاق داخل القوات. ولهذا كان مفهوم الأمن عندها أوسع من "الدفاع العسكري" بالمعنى الغربي.
الطبقة 2: الردع بالصاروخ بدل الردع بالطيران
نتيجة تطهير سلاح الجو بعد الثورة، والاعتماد السابق على معدات شاهنشاهية أميركية، ثم أثر حرب المدن ، اتجهت إيران إلى جعل الصواريخ الباليستية عماد الردع. دراسة Olson تصف بوضوح أن العنصر المفتاح في العقيدة الإيرانية صار هو التركيز على الصواريخ الباليستية، وأن هذا التركيز تعزز في أوائل التسعينيات بدعم صيني وبناء صناعة صاروخية. كما يوثق Cordesman تطور الاختبارات و الاقتناءات الإيرانية في تلك المرحلة، بما فيها نشاطات 1991-1993 واختبار/نشر نظم صاروخية جديدة.
المغزى الاستراتيجي هنا هو الآتي:
إيران أدركت أنها لا تستطيع ضمان السيادة الجوية، لكنها تستطيع تهديد مدن وقواعد ومنشآت خصومها.
أي أنها انتقلت من سؤال: كيف أمنع الطائرة المعادية؟
إلى سؤال: كيف أجعل ثمن هجومها عليّ غير مريح استراتيجيًا؟
الطبقة 3: الحرب غير المتكافئة كمنهج وليس كتكتيك
الدراسات المتخصصة تذكر أن الحرب غير المتكافئة أصبحت في قلب النظرية العسكرية الإيرانية، وأن الهدف منها ليس النصر العسكري المباشر بقدر ما هو إلحاق هزيمة نفسية بالخصم وثنيه عن الاستمرار. كما توضح أن إيران ركزت على القدرات التي تناسب نقاط قوتها: البشر، العمق الجغرافي، القبول النسبي بالخسائر، مع استغلال نقاط ضعف الخصم: الحساسية للخسائر، الاعتماد على التكنولوجيا، والحاجة إلى قواعد وتمركز إقليمي.
وهذا مهم جدًا، لأن كثيرين يختزلون العقيدة الإيرانية في "حرب عصابات".
والأدق هو أنها كانت فلسفة تعويض استراتيجي كاملة، تشمل:
تشتيت الخصم
تعقيد مسرح العمليات
سحب المعركة من ميدان "المنصة ضد المنصة" إلى ميدان "الإرادة ضد الكلفة"
تفكيك صورة الحسم السريع
الطبقة 4: الدفاع السلبي
بعد 1991، بدأ يتبلور مفهوم الدفاع السلبي لمنع الخصم من رؤية البنية التحتية الحيوية واستهدافها بفعالية. دراسة IISS تصف هذا المفهوم بأنه جاء بعد حرب الخليج لمنع الطائرات والصواريخ الأميركية من اكتشاف الأهداف الإيرانية الحرجة وتدميرها. لاحقًا اتخذ ذلك أشكالًا معروفة: التمويه، الإخفاء، التحصين، الخداع، التشتت، وتوزيع المنشآت.
في 1993 كان هذا التحول بالغ الأهمية، لأنه يكشف أن إيران لم تعد تفكر فقط في الرد بعد الضربة، بل في البقاء خلال الضربة.
وهذه نقطة مركزية جدًا في أي عقيدة دفاعية ناضجة:
البقاء survivability هو الشرط الأول للردع، لأن القوة التي تُشلّ في الساعة الأولى لا تردع أحدًا.
الطبقة 5: الازدواجية الوظيفية بين الأرتش والحرس
في تلك المرحلة لم يكن الهدف إلغاء أحد الجناحين، بل توزيع الأدوار:
الأرتش: دفاع تقليدي، حماية المجال، حفظ الشكل الدولتي للجيوش النظامية.
الحرس: عقيدة الثورة، الحرب غير التقليدية، المرونة، التعبئة، والوظائف الأكثر أيديولوجية وغير المتماثلة.
المصادر تشير إلى محاولات تنظيمية لتخفيف مشكلات القيادة والسيطرة، بل وحتى حديث في منتصف التسعينيات عن دمج المؤسستين لتخفيف مشاكل العمل المتوازي، لكن الحقيقة العملية أن الازدواجية بقيت عنصرًا بنيويًا.
استراتيجيًا، هذا جعل عقيدة 1993 هجينة:
ليست عقيدة جيش واحد، بل عقيدة نظام ذي ذراعين.
وهذا منح إيران مرونة، لكنه خلق أيضًا مشكلة مزمنة في القيادة والسيطرة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
