د. سلطان بن خميس الخروصي
في مساحة ضيقة تتقاطع فيها خطوط التوترات ودوائر الحسابات الكبرى، في عمق رحم الحرب المستعرة في الإقليم إلى تشظّي المفاوضات بين إيران وأمريكا والمغامرات الإيديولوجية الصهيونية المقيتة، تبرز سلطنة عمان بوصفها صوتًا لا يهدر نشازا ممن يحسبون صفوة الكتاب والمثقفين والمسؤولين بدول مجلس التعاون الخليجي، بل هو صوت يكتسب وزنه من الثقة التاريخية التي لم تكن وليدة اللحظة، بل نتاج مسارٍ تاريخي طويل تعلّمت فيه عُمان كيف تُدير الصراع بدلا من أن تكون جزء منه. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر واجهت البلاد محاولات نفوذ فارسية مستفيدة من اضطرابات داخلية لكنها استطاعت، بقيادة رجال دولة حازمين مثل الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، استعادة سيادتها وطرد التدخل الخارجي؛ فكان ذلك درسًا سياديا وقيمة وطنية عُليا بأن الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن القوة ضرورية حين تُفرض المواجهة.
إلا أن التاريخ ذاته اكسب هذا الوطن وإنسانه الأصيل قناعة تاريخية لا مناص منها؛ فليس كل مواجهة تُحسم بالسيف؛ لنجد أنه العلاقة مع إيران في القرن التاسع عشر تحوّلت من صراع مباشر إلى توازنٍ تحكمه التجارة والملاحة، ثم جاءت سبعينيات القرن العشرين لتكشف مفارقة لافتة؛ إذ أصبحت إيران- في عهد الشاه- حليفًا عسكريًا لعُمان في مواجهة التمرد الشيوعي في ظفار؛ فلم يكن ذلك انقلابًا في المبادئ والمفاهيم، بل إعادة هندستها وتعريف العدو والحليف وبأنهما ليسا ثابتين، بل يتبدلان بتبدّل السياق.
عبر هذا التراكم التاريخي والمهارة السياسية؛ تشكّل النهج العُماني الحديث بانتقال واعٍ من "السيادة بالقوة" إلى "السيادة عبر التوازن"، فبدل الانخراط في محاور الاستقطاب، اختارت عُمان أن تكون مساحةً للتهدئة وجسرًا للعبور؛ وهذا ما يفسّر حضورها الهادئ والمؤثر في ملفات حساسة رأس سنامها التفاوض النزيه بين طهران وواشنطن؛ إذ لعبت مسقط دور الوسيط الذي يملك ما هو أثمن من النفوذ وهي المصداقية.
وفي لحظةٍ إقليمية تتسارع فيها الأحداث، من اشتعال جبهات عسكرية إلى توترات بحرية، تكتسب هذه المصداقية قيمة مضاعفة؛ فالممرات البحرية في مضيق هرمز ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي شرايين الاقتصاد العالمي وأي خلل خوارزمياتها المتناسقة يضرب الأسواق والطاقة العالمية في مقتل كما نلاحظه الآن؛ ومن هنا يصبح خيار عُمان بالحفاظ على علاقة مستقرة مع إيران- دون الانحياز لمحورٍ ضد آخر- خيارًا استراتيجيًا بامتياز، لأنها تمتلك الخبرة الحضارية والتاريخية بأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، لكن يمكن إدارة تبعاتها بذكاء، وبتمعن في هذا المسار نلحظ أن ذلك الإدراك يتقاطع بوضوح مع أهداف رؤية عمان 2040، التي تضع الاستقرار الإقليمي في صلب مشروعها التنموي؛ فالتنويع الاقتصادي، وتطوير الموانئ، وجذب الاستثمارات، كلها رهينة بيئة آمنة وممرات مفتوحة، ولذا لا تُفهم الدبلوماسية العُمانية كترفٍ سياسي، بل هي أداة اقتصادية من الدرجة الأولى، والوساطة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
