قال العارف بالله ابن عطاء السكندريّ:" إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ عِنْدَ اللهِ مَقَامَك؛ فَانْظُرْ أَيْنَ وفِيْمَا أَقَامَكَ"؛ ولمّا اختار الله عزَّ وجَلَّ النبيُّ الخاتم إلى جواره تطبيقًا لسُنَّة الله في خلقه{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}(سورة الزمر، الآية30)، وحتى لا تُبدِّل مجرياتُ الدنيا، وتقلُّباتها على المسلمين دينَهم استعملَ الله عبادًا ألقى عليهم محبته، واختصهم بتبليغ دينه؛ ليُعرِّفوا الناس بِرَبِّ الناس؛ وقفُوا عند نواهيه، وفَزِعُوا إلى مرضاتِهِ، وامتثلوا لأوامره، وعَمِلوا بالقرآن، ونذروا أنفسَهم في سبيل إعلاء كلمة الله، وتطبيقًا للأمر القرآنيّ:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}(النحل، الآية: 125).
ومَهَمَّة الدعوة إلى الله لم تكن يومًا حِكرًا على جنس الرجال؛ بل قيَّضَ الله لها ثُلَّةً من النساء العابدات التقيّات اللواتِي تربيّنَ في بيوتٍ تتحلّقها الملائكة، لِتَتَسمَّع لـ(دوِيّ) القرآن ينزِّ من حيطانها، وتتشوَّف للأحكام الفقهية تُزين سقوفها، نساء ماجدات بِعْنَ عرض الدنيا الزائل، ليربحن الآخرة، وقبضن على جمرة الدِّين والعلم أملًا في جنّة عرضها السموات والأرض.
ومن هؤلاء النِّسْوة العُمانيات اللواتي استعملهن الله الشيخة (حليمة بنت سعيد بن ناصر بن عبد الله الكِنْدِيَ 1919 - 2002)، وأمُّها الفاضلة (عِيْنَة بنت ناصر بن عامر الطائيّ)، ومن حسن الطالع أن الشيخة حليمة جمعت أواصر العلم وفَخَار النَّسب؛ فمن طرف كانت قبيلة كندة، ومن الطرف الآخر كانت قبيلة الطائيّ، وكلاهما ينتهي نسبه إلى (سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان)، وكلا القبيلتين نَذَرَت أنفُسَ ذريّاتِهم في خدمة علوم الشريعة الإسلامية وأصول الدين ونسخ الكتب والمتون، فحاز الطرفان ولافخر- شرف تبليغ الرسالة المحمّدية بين أقطار الإمبراطورية العُمانيّة قديمًا وحواضر إفريقيا قاطبةً، وحمّلوا مسؤولية نقل متون المذهب الإباضيّ من جيلٍ إلى جيل، بما نسخوه من مخطوطات مُتداولة إلى الآن في المكتبات العامة والمجموعات الأُسْرِيّة الخاصة ومازالت آثارهم ممتدة؛ فصاحب العلم لا يموت، وقضيته لا تندثر.
وقد تبتلَتْ الشيخة حليمة بنت العلّامة سعيد بن ناصر الكِنديّ، وظلّت على عَفافها في حجر أبيها - ولم تتزوّج على الرغم من كثرة خُطّابها- تنهل من معين علومه، وتحفظ من آثار متونه في التفسير والسيرة، وتروي عنه دروسه في علوم الدين وأصوله، وتتقن بين يديه كلّ ما يتعلّق بفقه المرأةِ المسلمة، ثم تُلقيه على مسامع النساء في مجلسها، أو لِمَن يقصدنها للفُتْيَا في أمور دينهن عَمَلًا بحديث "خُذُوا نِصْفَ دِيْنِكُم من هذه الحميراءِ".
ويُحكَى من مصادر (متواترة) أَنَّ الكثير من الخطّابِ وراغبي الزواج وقفوا على باب أبيها الشيخ سعيد بن ناصر الكندِيّ طمعًا في شرف مصاهرته، والانتساب إليه، والتشرّف بذكر اسمه، وهو مرجع الفتوى ويأنس إليه سلاطين عُمان وأئمتِها فقد كان رحمه الله- موضع ثقة الطّرفين، لايحيد عن الحق، ولايخشى في الله لومة لائم، ويذكر رواةُ التاريخ مساعيه الحميدة في توحيد كلمة الأمة العُمانيّة على سواء الصراط، ورأب الصدع الذي شقّه اختلاف القلوب، ونفث فيه شيطانُ الفُرقة بين (السلطان تيمور بن فيصل والإمام محمد بن عبد الله الخليليّ)، وكان الشيخ العلَّامة رحمه الله - من الشهود المُعتبرين على توقيع اتفاقية "السِّيب" سنة 1339هـ.
وكانت الشيخة حليمة في ذاك الزمان كُلَّما تقدّم إلى أبيها الشيخ سعيد خاطبًا يطلب يدها للزواج، أعرضت وتمَّنعت على استحياء، وظلّت على تلك الحال حتى تخطّت العقد الثاني من عُمرها. فقال لها والدُها:"يا بُنيَّتي الشرع أمرنا بالنِّكاح، وهو من الأمور المُستحسنات للبنات، ومن طبائع البشرّ التناسل وزينة الدنيا، ولنا في جميع الأنبياء الأسوة الحسنة فمع اشتغالهم بالدعوة إلى الله ليلَ نهار إلا أنهم طلبوا من الله الذريّة الصالحة. قال الله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}(سورة الرعد، الآية: 38). فامتثلي لأمري واقبلي الزواج ممن يقفون على بابنا؛ إلا إذا كان هناك في نفسك غرضٌ صحيح يفوق منفعة النِّكاح......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
