بكينا في المكسيك لأن العراق عاد إلينا
د . شاكر الخفاجي
لم يكن فوزًا في كرة القدم بل كان عودة وطنٍ إلى قلوب أبنائه
في بعض اللحظات، لا يعود الإنسان قادرًا على التمييز بين دموع الفرح ودموع الحنين.
هذا تمامًا ما حدث لنا في مونتيري، تلك المدينة المكسيكية التي استيقظت على أصوات العراقيين، ثم نامت على اسم العراق.
حين أعلن الحكم نهاية المباراة، وانفجر الملعب فرحًا بتأهل العراق إلى مونديال 2026، لم نشعر أننا نحتفل بفوز منتخبٍ فقط، بل شعرنا أن وطنًا كاملًا عاد إلينا دفعةً واحدة.
نعم عاد العراق إلينا.
عاد في الهتافات التي زلزلت المدرجات،
وفي الأعلام التي ارتفعت كأنها صلاة جماعية،
وفي العناق العفوي بين غرباء جمعهم اسم العراق،
وفي الدموع التي نزلت بلا استئذان من عيون رجالٍ ظنوا أن الغربة علّمتهم كيف يخفون مشاعرهم.
لكن العراق، في تلك الليلة، كسر كل الحواجز.
في مونتيري لم تكن المكسيك، كانت بغداد
منذ اللحظة الأولى لدخولنا الملعب، كان واضحًا أن ما سيحدث ليس حدثًا رياضيًا عابرًا.
العراقيون جاءوا من كل مكان؛
من ديترويت وديربورن، من سان دييغو، من كندا وأوروبا، ومن مدنٍ لم يجمعها شيء في الجغرافيا، لكنها اجتمعت كلها تحت راية العراق.
شيئًا فشيئًا، بدأ المكان يفقد ملامحه المكسيكية.
أصوات العراقيين كانت أعلى من المسافات، والأعلام العراقية كانت أكثر حضورًا من كل شيء، حتى بدا الملعب كأنه نُقل في لحظة سحرية إلى قلب بغداد.
لم نكن نشاهد مباراة فقط، كنا نعيش لحظة نادرة يعود فيها الوطن ليحتل المكان والذاكرة معًا.
حتى شوارع مونتيري ومطاعمها وفنادقها وحاراتها كانت تتغنى بالعراق، وكأن المدينة كلها صارت تعرف أن هناك شعبًا مختلفًا في حبه لوطنه.
أبناؤنا الذين لم يروا العراق أعادوه إلينا بالدموع
أقسى ما في الغربة ليس البعد عن المكان، بل الخوف من أن يبهت الوطن في قلوب الأبناء.
لكن ما رأيناه تلك الليلة كان معجزة وجدانية بكل معنى الكلمة.
رأينا أبناء المغتربين، أولئك الذين وُلدوا بعيدًا ولم يزوروا العراق يومًا، يركضون بالأعلام العراقية، يهتفون باسمه، وتدمع عيونهم بصدقٍ لا يمكن تصنيعه.
كان حبهم للعراق فطريًا، نقيًا، موروثًا كما يُورَّث الاسم والملامح والدعاء.
في تلك اللحظة فهمنا أن العراق ليس بلدًا نعيش فيه فقط، بل روحًا تسكن أبناءنا حتى لو لم تطأ أقدامهم أرضه يومًا.
لقد أبكونا لأننا رأينا العراق حيًا فيهم.
حين يُقبّل العراقي علمه تعرف أن الوطن أكبر من السياسة والجغرافيا
من المشاهد التي ستبقى محفورة في ذاكرتي ما حييت، أننا كنا نوزع الأعلام العراقية على الجماهير، فنرى الناس تتلقفها بشغفٍ وتقبّلها بمحبةٍ تكاد تكون مقدسة.
رأيت في تلك القبلة معنىً أكبر من الاحتفال.
رأيت فيها حنين خمسين سنة من الغربة،
وذاكرة مدنٍ تركناها ولم تتركنا،
ورائحة بيوتٍ ما زالت تسكن القلب،
وأسماء أمهاتٍ وآباءٍ وأصدقاء غابوا وبقي العراق يجمعنا بهم.
ذلك العلم لم يكن مجرد راية، بل كان العراق نفسه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
