اختلالات سوق المحروقات .. مجلس المنافسة يكشف تلاعب الهوامش ويعيد الجدل حول شفافية التسعير

عاد ملف المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي، بعد أن كشف مجلس المنافسة عن اختلالات لافتة في آليات نقل الأسعار من السوق الدولية إلى السوق الوطنية، في سياق يتسم بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتزايد الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.

المذكرة التحليلية الصادرة عن المجلس، والتي همّت النصف الأول من شهر مارس 2026، تضع يدها على مفارقة مثيرة: فبينما لم يتم تمرير الزيادات الدولية في أسعار الغازوال بشكل كامل إلى المستهلك، تم تحميل أسعار البنزين زيادات تفوق كلفتها الحقيقية في الأسواق العالمية، في مشهد يعكس غياب انسجام واضح في سلوك الفاعلين داخل السوق.

وبحسب المعطيات، ارتفع سعر الغازوال دولياً بنحو 2,92 درهم للتر، غير أن الزيادة على المستوى المحلي لم تتجاوز 2,03 درهم، أي بنسبة نقل لا تتعدى 69,5 في المائة. وعلى النقيض، سجل البنزين زيادة محلية بلغت 1,43 درهم، متجاوزة الزيادة الدولية المحددة في 1,26 درهم، وهو ما يعني أن المستهلك يتحمل كلفة إضافية غير مبررة بالكامل وفق منطق السوق.

هذه الفوارق، التي تبدو للوهلة الأولى تقنية، تحمل في عمقها مؤشرات على خلل بنيوي في طريقة اشتغال سوق المحروقات، حيث لا يتم اعتماد آلية موحدة وشفافة لنقل الأسعار، بل تخضع العملية حسب المجلس لاستراتيجيات متفاوتة بين الفاعلين، تثير تساؤلات حول مستوى المنافسة الحقيقية.

ولم يقف التشخيص عند هذا الحد، إذ كشف المجلس عن تفاوتات أخرى داخل سلسلة التوزيع، خصوصاً في مرحلة البيع بالجملة، حيث تصل الفوارق بين الموزعين إلى 0,20 درهم للتر، وهو ما يعكس تبايناً في السياسات التجارية ويطرح علامات استفهام حول مدى احترام قواعد المنافسة.

ورغم أن المنافسة على مستوى محطات الوقود تساهم نسبياً في تقليص هذه الفوارق، فإن ذلك لا يخفي وفق التقرير هشاشة البنية التنافسية للسوق، التي تظل رهينة بسلوكيات قد تميل إلى الاصطفاف بدل التنافس الديناميكي.

وفي هذا السياق، أعاد مجلس المنافسة طرح إشكالية نظام مراجعة الأسعار المعتمد حالياً، والذي يتم مرتين شهرياً، معتبراً أنه نظام يعود إلى مرحلة ما قبل تحرير الأسعار سنة 2015، وقد لا يواكب اليوم تطورات السوق، بل قد يكرّس نوعاً من الجمود ويحد من التفاعل السريع مع التغيرات الدولية.

وتأتي هذه المعطيات في ظل سياق دولي متوتر، خاصة مع استمرار تداعيات الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي تلقي بظلالها على أسعار النفط، وتنعكس مباشرة على كلفة الاستيراد في بلد يعتمد بشكل كبير على الخارج لتأمين حاجياته الطاقية.

وبين ضغوط الخارج واختلالات الداخل، يجد المستهلك المغربي نفسه في قلب معادلة معقدة، حيث تتحول أي زيادة في الأسعار إلى عبء مباشر على قدرته الشرائية، ما يجعل مسألة شفافية التسعير وضبط هوامش الربح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

في المحصلة، تعيد خلاصات مجلس المنافسة فتح نقاش مؤجل حول حصيلة تحرير سوق المحروقات، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل نجح هذا التحرير فعلاً في خلق سوق تنافسية عادلة، أم أنه أفرز نموذجاً هجيناً يحتاج إلى مراجعة عميقة تعيد التوازن بين منطق السوق وحماية المستهلك؟


هذا المحتوى مقدم من أشطاري 24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من أشطاري 24

منذ 5 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
موقع بالواضح منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 39 دقيقة