إيمان الفارس عمان - في وقت تتزايد فيه الإستراتيجيات والخطط المائية محليا وإقليميا، يبرز تساؤل جوهري حول مدى قدرة هذه الأطر، رغم تطورها؛ على إحداث أثر فعلي في مواجهة التحديات المتفاقمة لقطاع المياه في الأردن، خاصة في ظل الضغوط المناخية والاقتصادية المتزايدة.
وأكد خبراء في القطاع في تصريحات لـ"الغد"، أن مبادئ التجديد الإستراتيجي التي طرحها معهد ستوكهولم الدولي للمياه أخيرا، تمثل إطارا مهما يمكن البناء عليه، لكنها ليست حلا كافيا بمفردها، إذ يبقى نجاحها مرهونا بقدرة الدول، ومنها الأردن، على ترجمتها لإجراءات تنفيذية مبتكرة، قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة تضمن تحقيق أمن مائي مستدام.
وطرح تقرير المعهد، والذي حصلت "الغد" على نسخة منه، مقاربة تجديدية في إدارة المياه، تقوم على تحويل المعرفة إلى حلول عملية، وتعزيز الحوكمة التشاركية، والربط بين المياه وقضايا المناخ والتنمية، وهو ما اعتبره الخبراء مدخلا مهما لمواجهة التحديات المائية المتفاقمة في الأردن.
وأكدوا أن هذه الرؤية تتماشى مع واقع الأردن، إذ تتطلب محدودية الموارد اعتماد نهج متكامل، يعزز التنسيق بين القطاعات، ويقلل من الهدر، ويركز على كفاءة الاستخدام، بدلا من الاقتصار على زيادة الإمدادات.
وشددوا على أن نجاح ذلك مرهون بقدرة هذه المبادئ على تجاوز التحديات التنفيذية، إذ ما تزال فجوة التطبيق، عائقا كبيرا أمام تحقيق الأمن المائي.
وحذروا من التركيز المفرط على المشاريع الكبرى، مقابل ضعف الاستثمار في الإصلاحات الهيكلية، ما قد يخلق اختلالا في الأولويات، في وقت يتطلب فيه الواقع مقاربة أكثر توازنا تجمع بين الحلول الهندسية والإصلاحات المؤسسية، وتحديات استهلاك قطاعات كالزراعة، ذات الحصة الكبرى من المياه.
ورأوا بأن فعالية مبادئ تقرير المعهد تتجلى في قدرتها على إعادة توجيه إدارة المياه من التركيز التقليدي على زيادة الإمدادات إلى نهج أكثر شمولية يعتمد على إدارة الطلب، وتحسين الكفاءة، وتبني حلول مبتكرة مثل إعادة استخدام المياه وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص.
وحول مدى فاعلية هذه المبادئ في مواجهة تحديات المياه في الأردن، أشار الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، أن مبادئ التجديد الإستراتيجي التي طرحها المعهد، لإمكانية فعاليتها، إذا جرى توظيفها ضمن نهج عملي يرتكز على التنفيذ والابتكار، مؤكدا أن تحقيق الأمن المائي في الأردن، يتطلب تجاوز الإطار التقليدي للإستراتيجيات نحو تطبيق حلول واقعية ومستدامة تستجيب لخصوصية التحديات الوطنية.
وقال الدحيات إن الإستراتيجية المحدّثة للمعهد للفترة 2026-2028، احتوت مبادئ رئيسة، أبرزها: تطوير حوكمة إدارة المياه، والتعاون بإدارة المياه الإقليمية المشتركة، وتعزيز الشراكات، وترسيخ العدالة عند تنفيذ حلول المياه.
مضيفا أن هذه المبادئ شكلت ركائز أساسية في مواجهة تحديات المياه، كما انسجمت مع مؤشرات الأمن المائي الأردني وفق البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي والإستراتيجية الوطنية للمياه.
وأوضح أن الأطر التنظيمية والقانونية الحديثة التي جرى تطبيقها في الأردن، فصلت بين الأدوار التنظيمية الرقابية والتشغيلية الخدماتية بين مؤسسات القطاع، لتعزيز حوكمة إدارة المياه وتحسين نوعية الخدمات للمستهلكين، وتعزيز ثقافة المحاسبة والإفصاح عن النتائج.
وأكد أن انضمام المملكة لاتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية للعام 1997، وفر إطارا متكاملا لإدارة المياه المشتركة، بحيث استندت إلى مبادئ قانونية قائمة على الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، والالتزام بالتعاون بين الدول دون التسبب بضرر، واعتماد آليات واضحة لتسوية النزاعات.
وأشار الدحيات إلى أن التقييم الصادر عن مركز القانون الدولي لحقوق الإنسان بجامعة جونز هوبكنز، تناول تجربة المملكة في إتاحة خدمات المياه بعدالة، وضمان الوصول لمياه آمنة وكافية، مبينا أن ذلك أسهم بتعزيز إدماج فئات المجتمع بصنع القرار، رغم التحديات المرتبطة بكون الأردن من أكثر الدول فقرا بالمياه.
وبيّن أن القطاع في الأردن قطاع رائد إقليميا لتبنيه مبادئ التخطيط الإستراتيجي، فقد أعدت أول إستراتيجية له في العام 1997، وتضمنت سياسات مائية وبرنامج مشاريع استثمارية، وأسهمت بتوجيه تنفيذ المبادرات وتحديد المشاريع الضرورية لتعزيز التزويد المائي وإدارة الطلب.
مضيفا أنها لعبت دورا محوريا بتنسيق العمل مع الجهات التمويلية الدولية والبنوك التنموية، ودعمت اتخاذ القرار بناء على بيانات ومعطيات متوافرة.
ولفت إلى أن الإستراتيجيات المائية تحدث باستمرار لمواكبة المتغيرات، وصولا إلى الإستراتيجية الجديدة (2023-2040)، التي استخلصت دروسا مما واجهه القطاع من تحديات، كنضوب المياه الجوفية، وتراجع كميات المياه السطحية، والزيادة السكانية جراء اللجوء، إلى جانب آثار التغير المناخي كالجفاف وتراجع الهطول المطري وارتفاع درجات الحرارة، ما أدى لاختلالات بين التزويد المائي والطلب.
وأكد الدحيات، أن إستراتيجية المعهد والإستراتيجيات الوطنية المماثلة، نقطة بداية وليست نهاية، فقد احتوت مبادئ وتوجيهات عامة تساعد بتشخيص التحديات ووضع الأطر لمعالجتها، لكنها لا تكفي بمفردها لتحقيق الأمن المائي. موضحا بأن البرامج التنفيذية والمشاريع الاستثمارية، مثلت نهجا عمليا ترجم هذه المبادئ لخطط واضحة وحلول قابلة للقياس، عبر مؤشرات محددة كزيادة حصة الفرد من المياه، وتقليص فجوة العجز بين التزويد والطلب، وزيادة ساعات التزويد، وخفض الفاقد المائي.
وشدد على أن من عوامل النجاح الأساسية، تسريع الانتقال من مرحلة إعداد الإستراتيجيات إلى تنفيذ المشاريع الحيوية، ورفع كفاءة تنفيذ المشاريع الرأسمالية ضمن الجداول الزمنية والمخصصات المالية المحددة، وربطها بمؤشرات أداء تقيس الأثر قبل التنفيذ وبعده، مع القدرة على التعامل مع المخاطر والتغيرات الطارئة وتسريع نسب الإنجاز.
وأضاف الدحيات أن المرحلة المقبلة، تتطلب تعزيز الشراكات إقليميا ودوليا، وتطوير بيئة تمكينية تدعم الاستثمار في القطاع عبر حوكمة أكثر كفاءة وتقليل المخاطر أمام المستثمرين، وتسريع تبني تقنيات التحلية وإعادة الاستخدام، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبناء القدرات.
وأكد أن المياه لم تعد قضية خدمية فقط، بل أصبحت تمثل بعدا اقتصاديا وإستراتيجيا، يتطلب إحداث تحول شامل في إدارة الموارد، مشيرا لأهمية متابعة التجارب الإقليمية واستخلاص الدروس منها، خاصة ما يتعلق بإدارة المياه المشتركة واتفاقيات تقاسم الموارد القائمة على المنفعة المتبادلة.
ولفت إلى اتفاقية المياه الموقعة بين العراق وتركيا نهاية العام الماضي، إذ اعتمدت مبدأ النفط مقابل الماء، وربطت إطلاق المياه بجوانب اقتصادية وتجارية، وهدفت لتنظيم الحصص المائية وتنفيذ مشاريع حيوية، تشمل إنشاء سدود حصاد المياه، وتنظيم الري في نهري دجلة والفرات، واستصلاح الأراضي الزراعية، وتطوير مشاريع إعادة استخدام المياه.
مرونة التخطيط والقدرة على التكيف
وفي محاولة لتقييم مدى تأثير هذه المبادئ على الواقع المائي في الأردن، أكد الخبير د. غازي أبو رمان، أن الأردن من أكثر دول العالم معاناة من ندرة المياه، في ظل تفاقم أزمة الشح المائي عالميا، مشيرا إلى أن حصة الفرد السنوية من المياه العذبة المتجددة في المملكة لا تتجاوز الـ61 م3، وهو رقم يقل بكثير عن خط الفقر المائي المطلق البالغ 500 م3 سنويا.
وقال أبو رمان، إن تعدد الإستراتيجيات والخطط المائية محليا وإقليميا، والتي تركز على الشراكات والحوكمة المرنة، وتحويل المعرفة إلى حلول لتعزيز الأمن المائي ومواجهة آثار التغير المناخي، يضع الأردن أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة هذه الإستراتيجيات على التحول إلى نتائج ملموسة.
وأضاف أن التجربة الأردنية في هذا المجال، تظهر سعيا واضحا لمواءمة التخطيط الإستراتيجي مع الواقع العملي، مستشهدا بجهود تنفيذ مشروع الناقل الوطني، الذي يمثل نموذجا على مرونة التخطيط والقدرة على التكيف مع المعطيات المحلية والتحديات الإقليمية.
مبينا أن مبادئ التجديد الإستراتيجي التي اعتمدها معهد ستوكهولم لم تعد مجرد إطار نظري، بل ضرورة تفرضها التحديات المتسارعة التي يواجهها قطاع المياه.
ولفت إلى أن الدولة أظهرت قدرة واضحة على التكيف السريع مع المتغيرات الجيوسياسية والمناخية، وتجسد ذلك بالتحول الحاسم نحو "الناقل الوطني"، بعد تعثر مشروع ناقل البحرين (البحر الأحمر البحر الميت) نتيجة تعنت ومماطلة كيان الاحتلال، ما دفع الأردن للبحث عن بدائل إستراتيجية، تضمن أمنه المائي بعيدا عن التعقيدات السياسية.
مشيرا إلى أن هذا التحول لم يكن ليتم دون تضافر جهود الدولة ومؤسساتها، مؤكدا أن الأردن نجح بإدارة شراكات إستراتيجية أسهمت بتوفير التمويل للمشروع.
وأشار أبو رمان لإعادة توجيه مخصصات "ناقل البحرين"، إلى جانب حشد تمويلات دولية كبيرة وبناء شراكات نوعية، من بينها موافقة صندوق المناخ الأخضر على تقديم منحة بـ295 مليون دولار، وموافقة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على قرض بـ475 مليون دولار، وقرض بـ189 مليون دولار من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، لدعم مكون الطاقة في المشروع، فضلا عن منح دولية أخرى.
كما أشار إلى الوصول لمرحلة الغلق المالي بالتعاون مع ائتلاف شركتي "ميريديام".....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
