الأجيال، عنوانٌ كبير لمفاهيم ملتبسة، ونضيف إلى هؤلاء تسميات أخرى مثل «جيل MTV»، و«جيل الدش والإنترنت»، وحتى «جيل الشمعدان»، وقبل ذلك كان هناك «جيل ماما نجوى» و«جيل ماما سامية».. إلخ.
الشاهد أن البعض يؤمن بفكرة «الجيل»، ويذهب آخرون إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث يستغرقون في دراسة أنثروبولوجية تُقَسِّم الجماعات العمرية وتُصنِّفها بناءً على الخصائص المشتركة لسلوكها الاجتماعي. وبشكلٍ عام، فإن كل مجتمع يميل إلى تقسيم نفسه بناءً على معطيات الجغرافيا، أو الطبقات الاجتماعية، أو الجماعات العِرقية، أو الانتماءات العقائدية، أو الأجيال، أو حتى تشجيع فرق كرة القدم.
في الواقع، ثمة متعة خاصة في تصنيف وتجميع وتقسيم الناس إلى «فئات»، فانتماؤنا إلى «جماعة» ما يُشعِرُنا بقدر من الأمان ويساعدنا في تعريف أنفسنا وتحديد مواقفنا. وفي النهاية، سواء كانت الثقافة المشتركة للجيل أو تعبير «الجيل» في حد ذاته مجرد نظرية أو لفظ مجرد أو حقيقة علمية مثبتة، فإنه يظل تعبيرًا مراوغًا لا يخلو من حقائق كثيرة.
«الجيل» هذا التعبير الذي نتعامل معه كفكرة عابرة يمكنه أن يُستخدَم بعدة طرق فيضفي بسهولة نكهة على كلامك وكتاباتك ليعطيك مكانتك أو ما يُسمى «برستيجك» في المجتمع. فعندما تنسب شخصًا ما أو شيئًا ما إلى «جيل»، هنالك دائمًا وعد خفي ببدايات جديدة مشرقة؛ فعلى سبيل المثال ثمة فرق بين قولنا «الشباب» و«جيل الشباب»، أو بين «الناشئين» و«أجيال المستقبل». وإذا نسبناها إلى الزمن الماضي مثل قولنا «الجيل القديم» أو «الجيل بتاع زمان»، فإنها تثير في الحال حنينًا مشوبًا بشجن على ماضٍ لن يتكرر. وقد تُستخدَم لفظة الجيل كمرادف لـ«الأعظم» أو «الذهبي»، كما في حالة محمد عبد الوهاب «موسيقار الأجيال» أو تامر حسني «ملك الجيل».
ولو استخدمت لفظ «الجيل» في حديثك فسيكون ذلك دليلًا على سعة ثقافتك وتفتح ذهنك وإدراكك للسمات السياسية والاجتماعية لكل الفئات والطبقات والجماعات العمرية في مجتمعك. ولا تنس أنك ما إن تشعر بوجود أي فجوة بين الأجيال، فذلك يعني أنك متطور جدًا وسابق لعصرك، أو أنك أصيل وشديد الرقي!
الأجيال مسألة نسبية، والتصنيف حسب الفئات العمرية خادع ومضلل. والدليل أننا نبحث الآن معًا عن الجيل الذي ننتمي إليه!
«جيل زد» - المولودون تقريبًا بين عامي 1997 و2012 - هو أول جيل نشأ كجيل رقمي بامتياز؛ إذ لم يعرف عالمًا بدون إنترنت فائق السرعة وتواصل عالمي فوري. وعلى عكس الأجيال السابقة التي كانت قيمها تُستمد بشكل أساسي من خلال «حراس البوابة» التقليديين: الأسرة والمدرسة والدين، فإن الحمض النووي الثقافي لجيل زد يُدمج في الوقت الفعلي عبر شبكات رقمية لا مركزية. وليس هذا فحسب، بل تعدى ذلك إلى أن «جيل زد» واكب الفترة التي بدأت وانتشرت ونضجت فيها شبكات التواصل الاجتماعي بتطبيقاتها المختلفة، وباتت في نظر البعض هي كل ما يعرفونه عن شبكة الإنترنت تقريبًا.
يتميز هذا الجيل أيضًا بأن طفولته المبكرة كانت إلكترونية رقمية عبر الشبكات والتطبيقات المختلفة، وهو يختلف عن الجيل السابق له مباشرة «جيل الألفية»، الذي يمكن القول إنه الجيل الأخير قبل سيطرة الشبكات والتطبيقات بالصورة التي نراها اليوم. فأطفال «جيل الألفية» كانت لديهم الفرصة لبدء حياتهم في أجواء شبه تقليدية كان فيها التلفاز وبعض ألعاب الفيديو البسيطة غاية التكنولوجيا ومنتهاها، ما سمح لهم ببعض من التقليدية في ممارسة أنشطتهم المختلفة، ومنها اللعب والتعلم، بخلاف «جيل زد».
لا يكتفي هذا الجيل بـ«استهلاك» الثقافة، بل يشارك في ابتكارها مستخدمًا منصات مثل تيك توك وديسكورد وإنستجرام لبناء منظومة قيمية تتسم بالشمولية الجذرية، والبحث العملي عن الحقيقة، ورفض السعي وراء الكمال الزائف.
ولعل الأسلوب الأمثل في التفاعل الثقافي مع «جيل زد» هو أسلوب الاختصار الشديد مع استخدام الوسائط المتعددة وإثارة القارئ وحثه على الرجوع إلى العالم الرقمي للبحث عن أي جزئية يرى أنها خافية عنه وتحتاج إلى توضيح أو إسهاب.
إن المنطق يقودنا إلى حقيقة أن هذا الجيل يفضل القراءة من الوسائط الرقمية أكثر من الوسائط التقليدية، وهو - للعجب - ليس الحقيقة تمامًا. وللتدليل على هذا نجد الكثير من الدراسات واستطلاعات الرأي (انظر: زياد عبد التواب، الجيل زد ماذا يقرأ وكيف يقرأ؟، مجلة «السياسة الدولية»، 19 ديسمبر 2022) تشير إلى عدم تراجع المطبوعات الورقية بالقدر الذي نتخيله في مقابل الوسائط الرقمية؛ بل على العكس نجد أن بعض تلك الدراسات تشير إلى أن هذا الجيل أكثر اهتمامًا بالقراءة والمعرفة مقارنة بالجيل السابق له، ربما بفعل انتشار مصادر المعرفة وتنوعها ووفرتها مقارنة بالندرة التي كانت حادثة فيما هو قبل، أو ربما لأن هذا الجيل تعرَّض للكثير من الابتكارات والاختراعات والأنماط الجديدة في جميع مناحي الحياة، ما أسهم في تحفيزه على المزيد من الاطلاع. وربما أيضًا نتيجة التسارع الكبير في تغير وتطور التقنيات المختلفة، وكذا أيضًا الأحداث التي تدور من حوله على مستوى البيئة الملاصقة أو على المستوى الإقليمي والعالمي أيضًا، أو ربما بسبب تلك العوامل مجتمعة أو بوجود عوامل أخرى لم يرد ذكرها.
1. نهاية حارس البوابة التقليدي
تاريخيًا، كانت القيم الثقافية تُنقل عموديًا - من الوالدين إلى الأبناء، أو من المؤسسات إلى الأفراد. أما بالنسبة لجيل زد، فقد تحوَّل هذا النموذج نحو تبادل أفقي. وبينما ما زالت الأسرة تُشكِّل بوصلة أخلاقية أساسية، أصبحت وسائل الإعلام الرقمية المصدر الرئيسي لتكوين الهوية.
ليس من قبيل المبالغة القول إن التواصل قبل هذا الجيل كان منظمًا ومحدودًا ومرهقًا أيضًا، أما التواصل الذي مارسه ويمارسه هذا الجيل فهو تواصل سهل وسريع بكل الوسائل: من كلمة مكتوبة، ومقطع صوتي مسموع، أو مقطع فيديو مسموع ومرئي. ولا يقتصر التواصل على زمن محدد أو مكان محدد، بل يتم على مدار الساعة، ومع أي طرف في أي مكان على وجه الأرض. بل لا يستلزم التواصل أيضًا وجود الطرفين متصلين معًا مثلما كان الحال في السابق، بل يمكن أن يكون المتلقي نائمًا أو منفصلًا عن الشبكة (Offline)، ومع ذلك تتم عملية الاتصال والتواصل بنجاح ولا يشعر أي من طرفيها بأي غضاضة أو انزعاج.
بالإضافة إلى هذا، فإنه ونتيجة تغلغل شبكات التواصل الاجتماعي وانفتاح المستخدمين عليها بات من الطبيعي التواصل بصورة يومية مع عدد كبير من الأصدقاء ربما احتاج جيل الألفية إلى عدة ساعات - أو عدة أيام - للتواصل مع نفس العدد بالفاعلية المطلوبة. وهو وإن كان يزيد من مساحات التواصل وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات، فإنه يصيب المستخدمين بحالة من التوتر العقلي وزيادة في معدلات الانتباه مع قِصر زمن الانتباه للأمر الواحد بدرجة كبيرة، وهو ما نلاحظه بسهولة في إصابة هذا الجيل بالضجر وعدم التركيز في حالة أن تحدث إليه أحد بالوسائل التقليدية أو قرأ كتابًا أو استمع إلى محاضرة أو دخل في نقاش أو حتى مقال بهذا النمط.
البحث عن تأييد الأقران: يسعى الكثير من أبناء جيل زد إلى الحصول على التأييد والتوجيه الأخلاقي من المجتمعات الإلكترونية بدلًا من السلطات التقليدية.
تراجع الثقة بالمؤسسات: أدت مشاهدة الأزمات العالمية، مثل ركود عام 2008 وجائحة كوفيد-19 وأزمة المناخ، إلى شكوك عميقة تجاه الهياكل السياسية والتجارية القائمة.
البعد الرقمي: اختفى الحد الفاصل بين العالم الافتراضي والواقعي. يعيش جيل زد في بُعد رقمي حيث تصبح التفاعلات الرقمية ذات مغزى وقيمة مماثلة للتفاعلات المباشرة.
2. الخوارزميات كجهات قيّمة أخلاقية
تُعد الخوارزمية، بلا شك، أقوى مؤثر ثقافي في حياة أبناء جيل زد. وعلى عكس شبكة الإنترنت الثابتة في الماضي، تستخدم شبكة الإنترنت التشاركية اليوم (ويب 2.0) خوارزميات قائمة على الاهتمامات لتزويد المستخدمين بمحتوى يتوافق مع قيمهم النامية ويعززها.
المجتمعات المتخصصة: تتيح منصات مثل ديسكورد وتيك توك للشباب إيجاد «مجتمعات مصغرة» حيث يمكنهم استكشاف هويات محددة - من النشاط البيئي إلى التنوع العصبي - قد لا تكون ممثلة في أحيائهم.
3. التعرض لوجهات نظر عالمية:
عزز التعرض المستمر لوجهات نظر متنوعة عبر الإنترنت الشمولية الجذرية. ينظر جيل زد إلى التنوع في العرق والجنس والتوجه كشرط أساسي لأي مجتمع أو علامة تجارية يتعاملون معها.
4. قيم تشكلت في خضم الأزمات:
البراجماتية والأصالة
بينما تميز جيل الألفية غالبًا بـ«المثالية المعقدة»، يُعرف جيل زد ببراجماتيته. قيمهم هي استجابة مباشرة لنشأتهم في عصر «كارثة المناخ» والتقلبات الاقتصادية.
مبدأ الأصالة: يرفض جيل زد الجمالية «المثالية» المنمقة للغاية، التي كانت رائجة على إنستجرام في العقد الماضي. إنهم يقدِّرون المحتوى «الصادق» والمناقشات الصريحة حول الصحة النفسية والصعوبات المالية والإخفاقات النظامية.
الوعي المالي: بعد أن شهدوا معاناة آبائهم خلال الأزمات الاقتصادية، يعطون الأولوية للاستقرار والعمل الإضافي والإنفاق المسؤول.
الاستهلاك كنشاط سياسي: بالنسبة لهذا الجيل، يُعد الشراء عملًا سياسيًا. فهم «يعبّرون عن آرائهم بأموالهم»، ويدعمون العلامات التجارية الأخلاقية والمستدامة، ويقاطعون تلك التي تبدو غير أصيلة أو استعراضية.
5. النشاط الرقمي والمواطنة العالمية
حوَّل جيل زد وسائل التواصل الاجتماعي من أداة ترفيهية إلى سلاح سياسي، وتتشكل قيمهم بشكل متزايد بفعل الحركات العالمية التي تتجاوز الحدود.
القيادة اللامركزية: يرفضون التسلسلات الهرمية التقليدية ويفضلون الحركات اللامركزية التي تُنظَّم عبر الوسوم والتحديات واسعة الانتشار.
قوة الميمات: يُستخدم الفكاهة والميمات لتبسيط القضايا السياسية المعقدة، مما يجعل النشاط السياسي متاحًا وقابلًا للمشاركة لجمهور عالمي.
التضامن العالمي: يمكن لمراهق في إندونيسيا أن يشعر بهوية مشتركة عميقة مع ناشط مناخي في السويد لأنهما يستهلكان نفس الروايات الرقمية ويخوضان نفس المعارك العالمية.
الخلاصة: جيل بناة الثقافة
لا يقتصر دور جيل زد على تلقي الثقافة بشكل سلبي، بل هم بناة صناعتها. فمن خلال توظيف الأدوات الرقمية لتجاوز الحواجز التقليدية، يبنون ثقافة عالمية تُعلي من شأن الشفافية والشمولية والعمل الجاد على حساب التقاليد لمجرد التقاليد. ومع توليهم مناصب قيادية سيستمر نظام قيمهم الرقمي في إعادة تشكيل بيئة العمل والسوق ونسيج المجتمع برمته.
مما سبق يتضح أن هذا الجيل مختلف تمامًا في نمط التنشئة والتفاعل مع العالم الخارجي بصورة كبيرة عن الأجيال السابقة له، فالسرعة هي كلمة السر، بالإضافة إلى إمكان استخدام وسائط متعددة في التواصل - في الإرسال والاستقبال - ما يجعل الكلمة المقروءة أقل جاذبية وأكثر إثارة للملل وقلة الاهتمام. لذلك نجد أن أغلب التركيز من الخبراء يكون حول كيف نُغيِّر من عادات هذا الجيل ليعود إلى ما كانت تقوم به الأجيال السابقة من تواصل ومن تلقٍّ للمعلومات وخلافه، وهي محاولات باءت بالفشل بخصوص التواصل لا شك في هذا، ومن المنطقي أيضًا ألا تكون ناجحة في إعادة هذا الجيل إلى أنماط القراءة والتعلُّم السابقة، ليس على مستوى الأداة كما أفردنا من قبل، ولكن على مستوى شكل وأسلوب صياغة المعلومة.
هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال
