تجتاز توازنات المالية العامة للمغرب اختبارا دقيقا في ظل تصاعد التوترات الجيو-سياسية المستمرة في الشرق الأوسط، وذلك بعدما استهلّت السنة المالية الحالية بكثير من التفاؤل المدعوم بموسم فلاحي استثنائي وصمود لافت للمؤشرات الماكرو-اقتصادية؛ بيْدَ أن هذا الاستقرار المحلي بات اليوم في مواجهة مباشرة مع “رياح خارجية” متقلبة، تفرض على الدولة الموازنة بين طموح الإقلاع الاقتصادي وضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطنين عبر استمرار دعم قطاعات حيوية: تسعيرة غاز البوتان والكهرباء والنقل (تقرر منح دعم قدره 3 دراهم لكل لتر وقود).
تصريحات الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أول أمس الخميس عقب مجلس للحكومة، رسمت خارطة طريق استباقية تهدف إلى امتصاص الصدمات السعرية العالمية ومنع انتقال “عدواها” إلى الاقتصاد الوطني.
ومع ذلك، يرى محللون وأساتذة في علوم الاقتصاد أن استدامة هذا الدعم تظل رهينة بمدى تطور النزاعات الإقليمية وطول وثقل تأثيرات الصراع الدائر؛ إذ إن أيّ سيناريو متوسط المدى يتضمن إغلاق “مضيق هرمز” قد يؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الطاقة (قد تحقق سيناريو 200 دولار للبرميل)، مما سيضع الميزانية تحت ضغط استنزاف الهوامش المالية المخصصة للاستثمار، ويفرض “تحديات جديدة” على العجز والمديونية.
التدبير الوقائي
أوضح بدر الزاهر الأزرق، أستاذ باحث في الاقتصاد وقانون الأعمال، أن قراءة الإجراءات الحكومية الحالية “تقتضي وضعها في سياقها الصحيح”؛ إذ يواجه المغرب “صدمة خارجية” مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيو-سياسية المتصاعدة. واعتبر أن ردّ فعل الحكومة في هذا الظرف “ليس اختيارا ترفا”، بل هو “تدبير وقائي” ضروري لمنع انتقال تبعات هذه الصدمة الدولية إلى العمق المحلي.
وبلغة الأرقام، أشار الباحث الاقتصادي، مصرحا لهسبريس، إلى أن تحمل الدولة لما يفوق مليارا وستمائة مليون درهم (1,6 مليار درهم) شهريا لدعم مواد حيوية مثل غاز البوتان والكهرباء والنقل، يتجاوز كونه مجرد إنفاق مالي؛ فهو في جوهره “حماية للقدرة الشرائية للمواطنين واستهلاك الأسر” وضمان “لاستقرار كلفة الإنتاج بالنسبة للمقاولات”. وأكد أن هذا الاستقرار يعد عنصرا أساسيا لتفادي دخول البلاد في “موجة تضخمية” قد تكون كلفتها الاقتصادية والاجتماعية “أكبر بكثير من كلفة الدعم نفسه”.
وعن الوضعية المالية الحالية، سجل الأزرق أن المغرب دخل هذه المرحلة بوضعية “مريحة نسبيا”، مدعوما بموسم فلاحي جيد، ودينامية واضحة في الموارد الجبائية، واستقرار في المؤشرات “الماكرو-اقتصادية”، مما منح الدولة “هامشا للتحرك في المدى القصير”؛ إلا أنه حذر، في المقابل، من أن استمرار هذا المستوى من الدعم لأشهر عدة سيشكل “ضغطا إضافيا” قد ينعكس مباشرة على عجز الميزانية، أو يفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وربما اللجوء إلى خيارات “تمويل إضافي”.
بخصوص الآفاق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
