من حماية الأنظمة إلى توجيه الأسلحة الذكية
الدكتور خالد البياتي
خبير وباحث استراتيجي في قضايا الأمن القومي والسياسات الدفاعية
المقدمة
لم يعد الميدان العسكري المعاصر يُختزل في حدود الجغرافيا أو كثافة النيران التقليدية بل انتقل الثقل الاستراتيجي إلى الفضاء السيبراني الذي بات يمثل الجبهة الخامسة والأكثر تعقيداً في تاريخ الصراعات البشرية. إننا نعيش حقبة السيادة الخوارزمية حيث تندمج القوة الصلبة بالقدرات الرقمية لتشكل ما يُعرف بـ الحروب الهجينة. هذه الحروب لا تعترف بخطوط التماس التقليدية بل تتسلل عبر ثغرات الأنظمة لتعطيل إرادة الخصم وشل قدراته قبل أن يتحرك جندي واحد على الأرض. هذا التحول الهيكلي في العقيدة القتالية جعل من الأمن السيبراني والمعالجة الإلكترونية للأهداف حجر الزاوية في حماية الأمن القومي وميزاناً جديداً للقوى يحدد ملامح الانتصار والهزيمة في القرن الحادي والعشرين.
اليوم ومع اشتعال الصراع بين إيران والولايات المتحدة لم تعد هذه المفاهيم مجرد تجريدات نظرية بل واقعاً ملموساً يُعاد تشكيله يومياً في ساحات القتال الرقمية والمادية على حد سواء. فما يجري على أرض الواقع يُظهر أن المعركة لم تعد محصورة في السماء والبحر والبر بل امتدت إلى أعماق الخوادم والكوادر البرمجية.
ساحة المعركة الإيرانية-الأمريكية كنموذج حي
يجسد الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران أبعاد الحرب الحديثة بأكثر صورها تعقيداً. فبعد أن نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية مكثفة على المنشآت النووية الإيرانية ابتداءً من 28 فبراير 2026، شهد العالم تصعيداً غير مسبوق في العمليات الهجينة التي تجمع بين الضربات التقليدية والهجمات السيبرانية واستهداف البنى التحتية الرقمية الحيوية.
استهداف مراكز البيانات: تحول جذري في طبيعة الأهداف
في فجر الأول من مارس 2026 شنت إيران هجوماً غير مسبوق بطائرات شاهد المسيرة مستهدفةً مركزين لبيانات"أمازون ويب سيرفيسز" (AWS) في الإمارات العربية المتحدة ومركزاً ثالثاً في البحرين. وقد مثل هذا الهجوم المرة الأولى التي تستهدف فيها دولة ما مراكز بيانات تجارية بشكل متعمد أثناء الحرب. ولم تتوقف طهران عند هذا الحد إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني لاحقاً استهداف مركز بيانات تابع لشركة أوراكل في دبي وهدد باستهداف 18 شركة تكنولوجيا وذكاء اصطناعي أمريكية عملاقة في المنطقة من بينها آبل، مايكروسوفت، جوجل، ميتا، إنفيديا، إنتل وبالانتير.
هذا التحول في طبيعة الأهداف يعكس فهماً استراتيجياً عميقاً فلم تعد مراكز البيانات مجرد منشآت تجارية بل أصبحت أهدافاً عسكرية مشروعة كونها تدعم العمليات العسكرية للعدو وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الاستهداف والتوجيه. فالقوات الأمريكية كما كشفت التقارير تستخدم بشكل متزايد أنظمة الذكاء الاصطناعي (خاصة نموذج كلود من شركة أنثروبيك) لدعم القرارات الهجومية والتحليل الاستخباراتي في عملياتها ضد إيران وفنزويلا.
الحرب الخوارزمية: الذكاء الاصطناعي يقرر المصير
شهد صيف عام 2025 تحولاً مفصلياً في استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. ففي يونيو 2025 استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل موسع في غارات "منتصف الليل" (Operation Midnight Hammer) حيث حللت أنظمة بالانتير وأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من 400 مليون بيانات لتحديد مواقع المنشآت النووية الإيرانية بدقة متناهية. وقد تميزت تلك العمليات بتنسيق إحداثيات الأهداف بدقة تصل إلى بضعة أقدام بفضل تكامل صور الأقمار الاصطناعية والتنصت الإلكتروني وأنظمة التوجيه بالذكاء الاصطناعي.
وفي تطور لاحق أشارت تقارير إلى أن عملية "إيبيك فيوري" (Epic Fury) المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير 2026 مثلت قفزة نوعية نحو الحرب المؤسسية الرقمية حيث حلت "شبكة القتل" (kill web) المتكاملة بوساطة الذكاء الاصطناعي والسحب السحابية محل سلسلة القيادة التقليدية. ففي الساعات الأربع والعشرين الأولى من العملية تم استهداف أكثر من 1000 هدف شملت مراكز القيادة وبقايا القوات البحرية الإيرانية.
الرد الإيراني: الحرب الإلكترونية كمعادل تكنولوجي
في المقابل طورت إيران قدراتها في الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي كوسيلة لتعويض الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة. فوفقاً لتقارير استخدمت طهران خوارزميات ذكاء اصطناعي محلية لتعديل مسار الصواريخ والطائرات المسيرة في الوقت الفعلي مما زاد دقة ضرباتها في الأيام الأخيرة من الحرب بأكثر من 90%. كما ادعت إيران نجاحها في اختراق أنظمة الدفاع الصاروخي القبة الحديدية الإسرائيلية وأنظمة ثاد وباتريوت الأمريكية، وتعطيل أنظمة القيادة والسيطرة لساعات مما تسبب في إرباك عملياتي للعدو.
الحرب السيبرانية: الجبهة غير المرئية
مع كل ضربة عسكرية تقليدية، تأتي هجمات سيبرانية انتقامية. فبعد القصف الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025 رصدت السلطات الأمريكية موجة من الهجمات الإلكترونية استهدفت البنوك ومقاولي الدفاع وشركات النفط الأمريكية. كما تعرضت ولاية أريزونا لهجوم استهدف موقع وزير الخارجية واستبدلت صور المرشحين بصور آية الله الخميني.
وتشير تقديرات شركة الأمن السيبراني "ديجي سيرت" إلى تتبع ما يقرب من 5800 هجوم إلكتروني شنّتها نحو 50 مجموعة مختلفة مرتبطة بإيران استهدفت إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل شبكات في البحرين والكويت وقطر. كما سُجّلت هجمات من نوع "وايبر" (wiper) هدفت إلى محو البيانات مثل الهجوم الذي استهدف شركة الأجهزة الطبية العملاقة "سترايكر" في 11 مارس 2026.
الجبهة الداخلية الأمريكية: دروع سيبرانية مهترئة؟
في تطور مقلق جاءت الهجمات الإيرانية في وقت يعاني فيه العمود الفقري للأمن السيبراني الأمريكي من أزمة تمويل حادة. فوكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) أجبرت على تسريح نحو 60% من قوتها العاملة بسبب تجميد التمويل الفيدرالي مما دفع خبراء مثل فريديريك لوميو من جامعة جورجتاون.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
