أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد اللطيف طلوبة، أن الانخفاض المفاجئ الذي شهده سعر الدولار خلال الأيام الماضية، والذي رفع قيمة الدينار بنحو 10%، تحقق بتكلفة مرتفعة تجاوزت 400 مليون دولار، موضحًا أن المسألة لا تتعلق بإمكانية رفع قيمة الدينار من عدمها، بل بمدى كلفة هذا الإجراء، والتي وصفها بالعالية جداً على خزينة الدولة.
وقال طلوبة، في تصريحات لقناة ليبيا الحدث ، رصدتها الساعة24 ، إن ما يشهده السوق من تذبذب في سعر الصرف يُعد أمراً طبيعياً تحكمه قوى العرض والطلب، مبينًا أن ضخ كميات كبيرة من العملة الصعبة يؤدي إلى خفض قيمتها مقابل ارتفاع قيمة الدينار الليبي، بينما يؤدي تقييد هذا العرض إلى العكس.
وأشار إلى أن هذه المبالغ الكبيرة من العملة الصعبة تتبخر خلال وقت قصير، ما يثير التساؤل حول جدوى ضخها بهذا الشكل، وأن دعم العملة المحلية عبر هذه الآلية قد يحقق نتائج مؤقتة لكنه غير قابل للاستمرار، إذ لا يمكن الاعتماد على توفر العملة الصعبة إلى ما لا نهاية.
ونوه طلوبة، بأن توفر النقد الأجنبي حالياً قد يكون مرتبطاً بعوامل خارجية مثل التغيرات في سوق النفط نتيجة الأزمات الدولية، إلا أن التعويل على مثل هذه الظروف يُعد أمراً خطيراً، لكونه يربط استقرار الاقتصاد المحلي بمآسي الآخرين، وهو وضع غير مضمون الاستمرار.
وأكد أن استمرار المصرف المركزي، في ضخ مئات الملايين يومياً للحفاظ على سعر صرف منخفض للدولار، يمثل معادلة غير قابلة للاستمرار اقتصادياً، واصفاً هذه الإجراءات بأنها أقرب إلى مسكنات مؤقتة لا يمكن البناء عليها.
وبيّن طلوبة، أن الحل يكمن في إصلاحات هيكلية عميقة لا تقتصر على المصرف المركزي، بل تشمل كافة الجهات التشريعية والتنفيذية، مشدداً على أن الخلل في الاقتصاد الليبي متراكم وهيكلي، ويرتبط بالاعتماد على مصدر وحيد للدخل منذ اكتشاف النفط، إلى جانب ترسخ نمط استهلاكي قائم على هذا المورد.
وحذر من خطورة الاعتقاد بأن النفط يضمن الرفاهية الدائمة، معتبراً أن هذا التصور يؤدي إلى تراجع الإنتاج والبحث عن بدائل، فضلاً عن ضعف إدارة الموارد، وهو ما يستدعي إعادة النظر في بنية الاقتصاد وتعزيز التنوع والإنتاجية.
وقال طلوبة، إن المصرف المركزي، تورط في مهام ليست من اختصاصه ، ما جعله عرضة لانتقادات تفوق قدرته، موضحاً أن دوره يقتصر على إدارة السياسة النقدية وتقديم الاستشارات للجهات التشريعية والتنفيذية، وليس إدارة الاقتصاد بشكل شامل.
وأضاف أن غياب أو ضعف أداء المؤسسات المعنية بالتخطيط الاقتصادي، مثل وزارات التخطيط والمالية والجهات الجبائية والإنتاجية، أدى إلى تركيز الانتقادات على المصرف المركزي، رغم أن الأزمة نتاج خلل هيكلي تشارك فيه مختلف الأطراف، مؤكداً أن المصرف لا يستطيع حل مشكلة تسبب فيها الجميع .
وأشار طلوبة، إلى أن الاقتصاد الليبي كان يعاني قبل عام 2011 من ضعف في الإنتاج، إلا أنه كان يشهد قدراً من الانضباط في إدارة عائدات النفط، من خلال الادخار وفرض قيود على الإنفاق والاستيراد، لافتاً إلى أن الأوضاع بعد ذلك شهدت تفاقماً في الخلل، مع توسع كبير في الإنفاق الحكومي، وتراجع الإنتاج المحلي، والانفتاح غير المنضبط على الاستيراد، إضافة إلى تفشي التهريب وانقسام المؤسسات.
وتابع: المصرف المركزي، يمكن أن يكون جزءاً من الحل فقط في حال التزام الجهات التشريعية والتنفيذية بضبط الإنفاق العام ووضع حدود صارمة له، إلى جانب دعم المؤسسات الجبائية ، مشددًا على أنه لن يكون الجهة الأساسية القادرة على تقديم حل شامل .
وحذر طلوبة، من لجوء المركزي، إلى استخدام الأموال المدخرة لتغطية الاحتياجات، معتبراً ذلك مؤشراً خطيراً على تآكل الاحتياطيات، خاصة في ظل الاعتماد على عوامل خارجية مثل ارتفاع أسعار النفط نتيجة الأزمات الدولية، وهو ما وصفه بأنه حل قائم على مآسي الآخرين .
وأشار إلى أن إنفاق نحو 25 مليار على قطاع النفط بهدف رفع الإنتاج لم يحقق نتائج ملموسة، معتبراً ذلك مؤشراً مقلقاً على ضعف كفاءة الاستثمارات، متسائلاً عن جدوى استمرار هذا النهج دون عوائد حقيقية.
وفيما يتعلق بقدرة المصرف المركزي، على الاستمرار في دعم الدينار، أوضح طلوبة، أن الأمر يشبه كفتي ميزان بين التوسع في الإنفاق الحكومي بالعملة المحلية، وضخ المصرف للعملة الصعبة لامتصاص هذا الفائض، مؤكداً أن استمرار الإنفاق المرتفع سيقود في النهاية إلى عجز المصرف عن الحفاظ على استقرار سعر الصرف.
ولفت إلى أن احتياطيات المصرف لا تزال عند مستوى جيد حالياً، إلا أن استمرار الأوضاع على هذا النحو لن يكون قابلاً للاستدامة، مرجحاً أن يتمكن المصرف من الصمود مؤقتاً في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط، لكنه حذر من أن أي تراجع في الأسعار قد يدفعه إلى إعلان العجز عن تلبية الطلب على العملة الصعبة.
ورأى طلوبة، أن الحديث عن استهداف سعر صرف عند مستوى 7.90 دينار للدولار قد يكون ممكناً من الناحية النظرية، لكنه يعتمد أساساً على حجم ما يُضخ من العملة الصعبة، مشيراً إلى أن بلوغ هذا المستوى أو حتى أقل منه ممكن إذا فُتحت خزائن المصرف وجرى بيع كميات غير محدودة من الدولار ، غير أن الإشكالية الحقيقية تكمن في مدى القدرة على الاستمرار في هذا النهج.
وأردف بأن المصرف المركزي، لم يعد يصدر تصريحات رسمية واضحة خلال الأشهر الماضية، معتمداً على ما وصفه بسياسة التسريبات ، التي قد تؤثر في سلوك السوق عبر التوقعات حتى دون التحقق من صحتها، موضحاً أن هذه الآلية قد تُستخدم لتهدئة السوق أو التأثير عليه نفسياً.
وأكد طلوبة، أن استمرار ضخ العملة الصعبة يواجه تحدياً رئيسياً يتمثل في وجود كميات كبيرة من الدينار الليبي المتداولة دون مقابل إنتاجي، ما يدفعها للتحول إلى طلب على النقد الأجنبي في ظل غياب إنتاج محلي قادر على امتصاص السيولة، وهو ما يجعل المصرف المركزي الجهة الوحيدة التي تتحمل عبء امتصاص هذا الفائض.
وأشار إلى أن بيانات المصرف المركزي، تُظهر اعتماد الاقتصاد الليبي بشكل شبه كامل على النفط، حيث بلغت الإيرادات نحو 14.4 مليار، منها 13.9 مليار من النفط، في مقابل إنفاق بلغ 6.5 مليار دينار اتجه معظمه إلى الاستهلاك، بما في ذلك المرتبات والدعم، وهو ما وصفه بـ المعادلة الخطيرة القائمة على أحادية المصدر وتركّز الإنفاق في الاستهلاك.
وفيما يتعلق بوصف المركزي، بأنه تحول إلى تاجر عملة ، أوضح أستاذ الاقتصاد، أن المؤسسة أصبحت واجهة للانتقادات نتيجة غياب بقية المؤسسات، مشيراً إلى أن التحول نحو الأنظمة الرقمية في توزيع العملة الصعبة قائم بالفعل، إلا أنه يجري ضمن نظام اقتصادي غير سليم ، حيث يستمر الطلب على النقد الأجنبي بسبب ضعف الثقة في العملة المحلية وغياب البدائل الإنتاجية.
وبيّن أن زيادة الإنفاق الحكومي بالعملة المحلية تدفع المواطنين للتخلص منها عبر شراء الأصول أو العملات الأجنبية أو السلع المستوردة، ما يعكس تراجع قبول الدينار الليبي، مؤكداً أن المشكلة تتجاوز شكل النظام المالي، سواء كان نقدياً أو رقمياً، إلى خلل هيكلي أعمق.
وقال إن مسألة نشر البيانات المتعلقة بتوزيع العملة الصعبة بين فئات السوق المختلفة تظل غائبة عن الشفافية الكاملة، معتبراً أن البيانات حق للمواطن ويجب أن تكون منشورة بشكل واضح ودوري، محذراً من استمرار حالة الغموض التي تميز عمل المؤسسات المالية في ليبيا.
وأضاف أن قدرة مصرف ليبيا المركزي، على الاستمرار في دعم الدينار الليبي عبر ضخ العملة الصعبة ترتبط بعوامل غير مستدامة، موضحاً أن الاعتماد على أسعار نفط مرتفعة أو على الاحتياطيات والاستثمارات لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، ما يعني أن المصرف سيكون مجبراً في مرحلة ما على التوقف، وهو ما قد يؤدي إلى عودة السوق الموازية بشكل طبيعي.
وأشار إلى أن التركيز على هدف واحد يتمثل في محاربة السوق الموازية لا يعد هدفاً واقعياً أو كافياً، داعياً إلى تبني مقاربة أوسع تشمل تنمية الإنتاج المحلي، وتقليص الاستيراد، وفرض حدود واضحة على الإنفاق العام، باعتبار أن حجم الإنفاق الكلي هو العامل الحاسم في استقرار السوق وليس تعدد جهات الصرف.
وأوضح طلوبة، أن غياب تحديد سقف للإنفاق العام في ليبيا يمثل أحد أبرز أوجه الخلل، لافتاً إلى أن السوق لا يهتم بعدد الجهات المنفقة بقدر ما يهتم بإجمالي الإنفاق، ما يستدعي وضع حد أعلى يتناسب مع حجم الدخل المتوقع للدولة.
وفيما يتعلق بدور المستشارين الاقتصاديين في صياغة سياسات المصرف المركزي، أوضح طلوبة، أن الواقع الاقتصادي الضاغط قد يدفع أحياناً إلى تجاوز الاستشارات أو عدم الاستجابة لها، مشيراً إلى أن تراكم الأزمات الاقتصادية في ليبيا على مدى عقود، إضافة إلى الاعتماد على اقتصاد ريعي قائم على مصدر دخل وحيد، جعل عملية الإصلاح أكثر تعقيداً وصعوبة.
وأضاف أن الإصلاحات الاقتصادية غالباً ما تكون مكلفة اجتماعياً وسياسياً، وقد تواجه مقاومة واسعة، مشيراً إلى أن هذا النمط يتكرر في مختلف دول العالم، حيث تتطلب سياسات الإصلاح قدراً كبيراً من التحمل والصبر.
وشدد طلوبة، على أن مصرف ليبيا المركزي، يفتقر إلى الأدوات الكفيلة بإلزام بقية الجهات بخفض الإنفاق أو توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج المحلي، ما يجعل مهمة الإصلاح الاقتصادي أكثر تعقيداً في ظل غياب منظومة متكاملة قادرة على فرض الانضباط المالي.
وأضاف أن جوهر الإصلاح المطلوب لا يكمن في توحيد الإنفاق بحد ذاته، بل في ضبط حجمه الإجمالي ضمن سقف الإيرادات المتاحة، مؤكداً أن توحيد الجهات المنفقة مسألة إدارية وتنظيمية تتعلق بشكل الدولة، بينما التأثير الحقيقي على السوق يرتبط بإجمالي حجم الإنفاق، بغض النظر عن عدد الجهات المنفذة له.
ورأى طلوبة، أن الفرق الجوهري في الاستقرار الاقتصادي يتمثل في التوازن بين الدخل والإنفاق، مشيراً إلى أن إنفاق أي عائلة، على سبيل المثال، لا يؤثر في السوق ما دام ضمن حدود دخلها، وهو ما ينطبق على الاقتصاد ككل، حيث لا يهم عدد الجهات المنفقة بقدر ما يهم إجمالي ما يتم إنفاقه.
وفي سياق متصل، أكد طلوبة، أن المشكلة الأساسية في ليبيا تكمن في ارتفاع حجم الكتلة النقدية بالعملة المحلية مقابل محدودية الإنتاج المحلي، ما يدفع المواطنين إلى تحويل الدينار الليبي إلى طلب متزايد على العملة الأجنبية، في ظل غياب فرص الاستثمار وضعف الإنتاج، الأمر الذي يجعل المصرف المركزي في مواجهة مباشرة مع هذا الفائض النقدي.
وأشار إلى أن ارتفاع الإنفاق العام بعد عام 2011، إضافة إلى الانقسام السياسي والحروب، أدى إلى تضخم كبير في السيولة داخل السوق، مقابل محدودية قدرة الاقتصاد على امتصاصها، ما عمّق الاختلالات المالية والاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من الساعة 24 - ليبيا
