وسط كل هذا الجدل المتصاعد حول الاتفاق النووي الإيراني، لدى الجميع سؤال شديد البساطة لكنه في غاية الأهمية: إذا كانت جنوب إفريقيا قد امتلكت برنامجًا نوويًا لأغراض عسكرية ثم تخلّت عنه طوعًا، فلماذا لا تسلك إيران الطريق نفسه؟ جنوب إفريقيا قدّمت يومًا نموذجًا مختلفًا؛ إذ اختارت أن تنزع الطابع العسكري عن برنامجها النووي، وأن تخضعه لضمانات ورقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل فتح الباب أمام الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وتعزيز الثقة الدولية بها. وخلال زيارة قمت بها لبعض تلك المواقع عام 2005، كان واضحًا حجم الانضباط الرقابي والتقني المفروض، بما في ذلك أنظمة مراقبة متقدمة تنقل صورًا وبيانات حية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مشهد يعكس شفافية كاملة ورغبة حقيقية في طمأنة العالم. وهنا يفرض السؤال نفسه من جديد: لماذا لا تحذو إيران النهج ذاته؟ لماذا لا تحتفظ بموادها النووية ضمن إطار سلمي مشروع، ولكن تحت رقابة دولية مشددة وشفافة تضمن عدم الانحراف نحو الأغراض العسكرية؟ ألن يكون ذلك أفضل لإيران نفسها قبل غيرها؟ ألن يفتح لها أبواب النمو الاقتصادي، ويفك عنها عزلة الشكوك والعقوبات، ويمنح شعبها فرصة أكبر للاستقرار والتنمية؟ الأهم من ذلك، أن مثل هذا الخيار لن يخدم إيران وحدها، بل سيبعث برسالة طمأنة حقيقية إلى جيرانها في الخليج وبقية دول الشرق الأوسط، الذين يدفعون دائمًا ثمن التوترات والحروب وعدم اليقين. فالمنطقة لم تعد تحتمل سباقات قلق جديدة، ولا مزيدًا من الأزمات المفتوحة على احتمالات خطيرة. إن تجربة جنوب إفريقيا تثبت أن القوة لا تكمن دائمًا في امتلاك أدوات الردع، بل أحيانًا في امتلاك شجاعة التحول نحو الشفافية والثقة والتنمية. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام إيران والعالم معًا هو: هل تختار طهران طريق الطمأنة والازدهار أم تستمر المنطقة رهينة الخوف والمواجهة؟
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
