في هذا العصر، قد يصل الكثير منا إلى عامه الـ100، ومعظمنا سيحتاج إلى مواصلة العمل حتى السبعينيات من عمره، وربما إلى ما بعد ذلك.. التفاصيل في لمزيد من الأخبار والتحليلات الاقتصادية تابعوا

في هذا العصر، قد يصل الكثير منا إلى عامه الـ100، ومعظمنا سيحتاج إلى مواصلة العمل حتى السبعينيات من عمره، وربما إلى ما بعد ذلك.

قبل عشرة أعوام، حين شرعت أنا والبروفيسور أندرو جيه. سكوت في كتابة كتاب حياة المئة سنة، انطلقنا من سؤال بسيط: «ماذا سيحدث عندما يصبح بلوغ سنّ المئة عام هو الحالة الطبيعية؟».

وقد توصلنا إلى أنه في ظل ازدياد مدة الحياة المهنية، فإن دورة الحياة القائمة على التعليم بدوام كامل ثم العمل بدوام كامل ثم التقاعد بدوام كامل، بدأت بالاندثار، ليبرز بدلاً عنها نمط أكثر تعقيداً، ينطوي على عدة مراحل، ومحطات تحول أكثر، مع خيارات أكثر ومساحات أوسع لابتكار مسارات جديدة.

وخلال العقد الماضي، بدأ يراودني سؤال مرتبطٌ بالفكرة ذاتها: كيف نبني حياةً ترضينا ومسيرةً مهنية تدوم لفترةٍ أطول، في ضوء إدراكنا بأننا قد نعيش حتى المئة ونعمل حتى السبعينيات من عمرنا؟

أشهد انعكاسات هذا السؤال على مراحل مختلفة من حياة الناس.

بالنسبة إلى الأفراد في الثلاثينيات من أعمارهم، يسود شعور متنامٍ بأن الحياة المهنية قد تمتد حتى عمر السبعينيات أو الثمانينيات، لذلك فقد بدؤوا يدركون تدريجياً أن مسيرتهم المهنية لن تسلك خطاً مستقيماً باتجاه واحد، بل ستكون متعددة المراحل مع العديد من الانتقالات والتغيرات، وإعادة تشكيل للذات. كما بات واضحاً لهم أن القدرة على الاستمرار تعتمد على المهارات والفرص، إلى جانب قدرتهم على الحفاظ على الصحة والنشاط مع مرور الزمن.

حاملو الشهادات المهنية والدكتوراه يتصدرون قائمة الأعلى دخلاً في أميركا

ومع ذلك، لا تظهر هذه الحقيقة جلية إلا في منتصف العمر.

ويرى المدراء التنفيذيون الذين أدرّسهم، والذين هم في الأربعينيات والخمسينيات من أعمارهم، أنهم يشعرون بالحاجة إلى التغيّر والتكيّف مع أدوار جديدة، وتوقعات متغيرة، وهويات مهنية جديدة. ورغم نجاحهم والتزامهم الواضح، إلا أنهم مثقلون بالأعباء، إذ تتطلب أعمالهم جهداً كبيراً، إضافة لمهامهم الأخرى، مثل تربية الأبناء، ودعم الشركاء، ورعاية آبائهم المسنين.

ورغم أنهم يتمتعون بإنتاجية عالية، إلا أنها تأتي على حساب حياتهم الشخصية. وأشد ما يلفت انتباهي هو قدرتهم وإيقاع عملهم، حيث يعمل الكثير منهم كما لو أنهم يخوضون سباقاً قصيراً عليهم الفوز به، غافلين عن أن أمامهم حياة طويلة بحاجة إلى نظرة بعيدة المدى. إنهم يتساءلون: كيف يمكنني الاستمرار بمسيرتي المهنية للعشرين أو الثلاثين عاماً القادمة؟.

ومن خلال عملي، توصلّت إلى فهمٍ أعمق لمفهوم الاستمرار في العمل، إذ أراها على هيئة نسيج متشابك من خيوط متعددة. ويجسّد هذا التصور طريقة لفهم كيفية تطور الحياة المهنية وتغيرها عبر الزمن. فنحن لا ندير مساراتنا المهنية على شكل مقاطع منفصلة، بل ننسج حياتنا عبر عقود باستخدام خيوط تقوى حيناً، وتتآكل حيناً، ليُعاد نسجها مجدداً.

ويتكون هذا النسيج في جوهره من نوعين من الخيوط، هما خيوط الإنتاجية وخيوط رعاية أنفسنا، حيث تمثل خيوط الإنتاجية قدرتنا على الإسهام، وخلق القيمة، وإنجاز عمل ذي معنى. أما خيوط الرعاية، فتمثل قدرتنا على رعاية أنفسنا مع مرور الزمن، من النواحي الجسدية والنفسية والاجتماعية.

ويكمن التحدي في القدرة على خلق التوازن بين تحقيق الإنتاجية والحفاظ على رباطة جأشنا.

ويبالغ الكثير من الشباب في التركيز على الإنتاجية، مفترضين أن رعاية أنفسهم يمكن تأجيلها. وألاحظ أن من بلغوا مراحل متقدمة في حياتهم المهنية قد وصلوا إلى الذروة في إنتاجيتهم، إلا أنهم بدؤوا يدركون تراجع قدرتهم على الاستمرار، إذ يعانون من نوم مضطرب وعلاقات متوترة وطاقة مستنزفة.

لا يمكن فصل خيوط الإنتاجية عن خيوط الرعاية في مفهوم الحياة الطويلة، إذ لا يمكن استمرار الإنتاجية في غياب الرعاية اللازمة. وفي المقابل، فإن الرعاية وحدها، من دون القدرة على الإسهام، لا تكفي لبناء حياة ذات معنى بمرور الوقت. ويؤدي هذا التكامل إلى جعل الصحة الركيزة الأساسية لمسيرة مهنية طويلة.

فالصحة ليست مجرد عدم الإصابة بالمرض، بل هي الإحساس بالنشاط، والمرونة، والقدرة على التواصل. وهي السمات ذاتها التي تمكّننا من مواصلة العمل، والتعلّم، والإسهام في المجتمع من خلال حياة مهنية تمتد لسنوات طويلة.

وتسهم جميع الخيوط في عيش حياة صحية، لكن اثنين منها على وجه الخصوص يحظيان بأهمية بالغة للحفاظ على الصحة على المدى الطويل، وهما الصداقة والسكينة.

ومن اللافت أن كليهما يصعب الحفاظ عليه مع الزمن، بل يكونان أول ما يتم إهماله مع تزايد ضغوط العمل ومصاعب الحياة.

من الإنتاجية إلى الرافعة المالية.. ما الوجه المقلق للذكاء الاصطناعي؟

ومع ذلك، هناك مجموعة صغيرة ولكنها متنامية من بين الأشخاص الذين أقابلهم تنظر إلى هذا الموضوع من منظار مختلف، فهم ليسوا أقل طموحاً، بل أكثر وعياً. إنهم يدركون أن الإنتاجية وحدها غير كافية لدعم الحياة المهنية الطويلة، بل يجب أيضاً الاستثمار في العلاقات والموارد الداخلية التي تدعمها.

ولا تنال الصداقة ما تستحقه من تقدير، غير أن روبرت والدينجر، المشرف على دراسة حول مراحل تطور حياة البالغين في جامعة هارفرد، أكد أن جودة العلاقات هي أحد أبرز المؤشرات على الصحة والسعادة. فالحقيقة التي لا جدال فيها أن العلاقات الطيبة تسهم في الارتقاء بمستوى صحتنا وسعادتنا، لا سيما في الحياة المهنية الطويلة، حيث تعزز الصداقات قدرتنا على الاستمرار مع مرور الوقت، فهي تربطنا بالأشخاص الذين يعرفوننا عبر مراحل مختلفة في حياتنا، ويساعدوننا في التأقلم مع التغيّرات، ويدعموننا في فترات التحول.

ولا تقلّ السكينة أهمية عن الصداقة، فهي تساعدنا على التقاط الأنفاس لاستعادة نشاطنا، والتأمل في التجارب الحياتية لاستيعاب معانيها، عوضاً عن الاكتفاء بالاستجابة السطحية لها.

وفي سياق الحياة المهنية الطويلة، يتطلب تحقيق السكينة اهتماماً واعياً ومدروساً، فالذين ينجحون في الحفاظ على طاقتهم على المدى الطويل، يخلقون مساحة للتأمل والتعافي، ويبتعدون عن النشاط المتواصل، مما يساعدهم في اتخاذ قرارات أفضل، والحفاظ على الصفاء الذهني والمرونة اللازمين للاستمرار.

إن العيش لمدة أطول أحد أكبر الإنجازات في عصرنا الحالي، إلا أنه في الوقت نفسه يرفع سقف المطالب التي علينا الوفاء بها.

إنه يتطلب منا النظر إلى أنفسنا في المستقبل ليس كأشخاص متخيّلين بعيدين عن الواقع، بل كأناس حقيقيين ترسم قراراتهم اليوم شكل حياتهم. كما أنه يتطلب تحقق التناغم بين الإنتاجية والعناية بالنفس، والعمل والمنزل، والطموح والصحة، والإنجاز والصداقة، وهو ما يغيب عنا في كثير من الأحيان.

إنه يتطلب منا إدراك أن الحياة المهنية الطويلة ليست أمراً تلقائياً مفروغاً منه، بل إنجاز يجب أن نؤسس له ونبنيه مع الزمن من خلال الحفاظ على قدرتنا على العطاء، وحماية وتجديد الموارد التي تجعل هذا العطاء ممكناً.

إن قدرتنا على الاستمرار بالعمل والحفاظ على جودة حياتنا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمتانة نسج هذه الخيوط، وبمستوى العناية التي نوليها لصحتنا.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 46 دقيقة
منذ 8 ساعات
منذ 27 دقيقة
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
فوربس الشرق الأوسط منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 8 ساعات