كشفت المندوبية السامية للتخطيط عن تحولات بنيوية متسارعة يشهدها المجتمع المغربي، تعيد رسم ملامح الأسرة ووظائفها، في ظل تغيرات ديمغرافية واجتماعية عميقة خلال العقد الأخير.
وأوضح تقرير حديث حول نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025، أن متوسط حجم الأسرة المغربية تراجع من 4,6 أفراد سنة 2014 إلى 3,9 أفراد سنة 2024، في مؤشر واضح على تغير أنماط العيش والتكوين الأسري. كما سجلت الوثيقة ارتفاع نسبة الأسر التي تترأسها نساء من 16,2 في المئة إلى 19,2 في المئة خلال الفترة نفسها.
وفي موازاة ذلك، حذرت المندوبية من تسارع وتيرة الشيخوخة الديمغرافية، حيث ارتفعت نسبة المسنين إلى 13,8 في المئة سنة 2024، مقابل 9,4 في المئة قبل عشر سنوات، وهو ما يعكس تحولا عميقا في الهرم السكاني وتداعياته على التوازنات الاجتماعية.
تضامن عائلي بين التراجع وإعادة التشكل
رغم استمرار مظاهر التضامن داخل الأسرة، تشير المعطيات إلى أن 42,5 في المئة من الأسر فقط تشارك في تبادلات عائلية، سواء كمستفيدة أو مانحة، في حين تصرح 57,5 في المئة بانعدام أي تبادلات، ما يعكس تراجع الروابط التقليدية أو تحولها إلى أشكال جديدة.
وتبرز الفوارق بين الوسطين القروي والحضري، حيث ترتفع نسبة الأسر المستفيدة في القرى، مقابل تفوق الأسر المانحة في المدن، كما تسجل الأسر التي تترأسها نساء مستويات أعلى من الاستفادة مقارنة بنظيراتها التي يرأسها رجال.
المال والعمل في صلب العلاقات العائلية
يكشف التقرير أن القروض المالية تمثل الشكل الأكثر شيوعا للتبادلات العائلية، تليها خدمات تقديم الأشغال ثم التحويلات المالية، ما يؤكد أن الدعم الاقتصادي يظل العمود الفقري للتضامن داخل الأسرة.
كما يظل دعم العاطلين عن العمل أبرز مظاهر التضامن، إذ صرح 58,7 في المئة منهم بتلقي مساعدات مالية من أفراد الأسرة، خاصة من الأصول، في حين يبرز التشغيل العائلي كخيار مهم، حيث يعتمد 13,7 في المئة من العاملين لحسابهم الخاص على اليد العاملة العائلية.
نحو نموذج عائلي جديد
تخلص المندوبية إلى أن الأسرة المغربية لم تعد قائمة فقط على التعايش السكني أو القرب الجغرافي، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على أشكال مرنة من التضامن، تجمع بين اللقاءات المباشرة والتواصل الرقمي والتحويلات المالية.
وتؤكد هذه التحولات أن المجتمع المغربي يتجه نحو نموذج عائلي جديد، تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، بما يفرض تحديات متزايدة على السياسات العمومية، خاصة في مجالات الحماية الاجتماعية، والتشغيل، ورعاية المسنين.
وبذلك، يضع تقرير البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 صورة محدثة لواقع الأسرة المغربية، ويطرح في الآن ذاته أسئلة جوهرية حول مستقبل التماسك الاجتماعي في ظل التحولات المتسارعة
هذا المحتوى مقدم من أشطاري 24
