ما الذي يريد المتكلّمُ الواثقُ أن يقوله فعلًا حين يبدأ خطابه بعبارة: ” وكما لا يخفى عليكم…”؟ أهو تمهيدٌ لقولٍ واضح، أم ستارٌ أنيق يُسدل قبل بدء المراوغة؟ ولماذا تبدو هذه العبارة، في كل مرة، كأنها تستبق الفهم بدل أن تبنيَهُ، وتفترض علمًا مشتركًا بدل أن تقدّم معرفة حقيقية؟ وهل هي تعبير عن ثقة في وعي المخاطَبين، أم عن رغبة في إعفاء النفس من الشرح والمساءلة؟ ثم ما الذي لا يخفَى علينا حقًا: مضمون الخطاب، أم الحيلة البلاغية التي يتخفّى داخلها؟ وهل نحن أمام لغةٍ تريد أن تكشف، أم أمام لغةٍ تعلمت كيف تجعل الغموض يبدو في هيئة الوَقَار؟
حين يبدأ المتكلّمُ من حيث تنتهي الحَقيقة
حين يفتتح المتحدّث خطابه بعبارة: “كما لا يخفى عليكم…”، فهو نادرًا ما يكون بصدد كشف أمرٍ خفيّ، بقدر ما يكون بصدد تدشين جولةٍ جديدة من التكرار المنمّق. إنها صيغة بلاغية جاهزة تمنح المتكلّم سلطة العارف، وتعفيه، في الوقت نفسه، من عبء الشرح، ومن مشقّة تسمية الأشياء بأسمائها، ومن مسؤولية قول الحقيقة من غير وسائط تجميلية. تبدو العبارة في ظاهرها وكأنها إشراكٌ للسّامعين في معرفةٍ مشتركة، لكنها في العمق ليست سوى وسيلة ذكية لتفادي الشرح، والالتفاف على صعوبة التسمية الدقيقة، والهروب من قول الحقيقة بصورتها المباشرة.
إنّها جملة تمنح المتكلم هيئة الواثق العارف، من غير أن تُلزمه بأن يقدّم معرفة فعلية تستحق هذا اليقين. المفارقة أنّ هذه العبارة تأتي غالبًا في السياقات التي يكون فيها كثيرٌ من الأمور مخفيًا أصلًا، لا بحكم الصدفة، وإنما بفعل الغموض المنظّم. لذلك تبدو عبارة ” كما لا يخفى عليكم” كأنها صيغةٌ رسمية لإعفاء الشخص من مسؤولية الشفافية، وكأنه يقول للناس: أنتم تعرفون، فلا داعي لأن أشرح، مع أنّ المشكلة كلّها كانت دائمًا في أن ما يجب أن يكون واضحًا قد بقيَ غامضًا، وما ينبغي أن يتمّ قولهُ بوضوح قد دُفن تحت طبقات من البلاغة الباردة. ثم إنّ هذه العبارة تنطوي على شكلٍ مخصوص من الاستعلاء المهذّب؛ فهي تتوجّه إلى الجمهور باعتباره متلقّيًا ينبغي تطويقه بلغةٍ مصقولة تُهذّب ظاهر الموقف وتُبقي جوهره على حاله. وحين تصدر بهذه الثقة الناعمة، فهي تبثّ إحساسًا مُصطنعًا بوجودها، ولا تزيح الحجاب عن الحقيقة، بقدر ما تُسدله عليها في صورة من الأناقة البلاغية.
ماذا يخفي المتحدثُ حين يقول ” كما لا يخفى عليكم”؟
لهذا كلّه، لا تبدو العبارة مجرد افتتاحية عابرة، لعلها طريقة تحرص على الهيبة أكثر من حرصها على الوضوح، وعلى الإيحاء أكثر من حرصها على التفسير، وعلى حماية المتكلم من المساءلة أكثر من حرصها على احترام السَّامع؛ هي عبارة أنيقة في شكلها، لكنها فقيرة في معناها، متماسكة في نبْرتها، رخوة أمام أيِّ طلب حقيقي للصِّدق.
حين يفتتح المتحدّثُ كلمتهُ بعبارة: ” كما لا يخفى عليكم…”، فاعلم أن ما سيأتي في الغالب هو إعادة تقديمٍ لما تمّ إخفاؤه طويلًا حتى بَلِي، ثم أخرجه المتكلمُ في اللحظة المناسبة بعد أن فقد معناه. فهذه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
