يتناول هذا المقال إشكالية ما يُتداول حول “سرقة” تاريخ الأندلس من المغرب، من خلال تفكيك هذا الطرح وإعادة تركيبه ضمن مقاربة تاريخية نقدية عقلانية خلدونية. ويخلص إلى أن الإشكال لا يتعلق بسرقة بالمعنى الحرفي، بل بعملية تجزيء وانتقائية في السرد التاريخي الحديث، أدت إلى فصل غير علمي وغير منطقي بين فضاء حضاري كان موحدًا لقرون ضمن ما يُعرف بالغرب الإسلامي.
إشكالية المصطلح: بين “السرقة” والتجزيء
يُثير وصف تاريخ الأندلس بأنه “مسروق” إشكالًا منهجيًا، إذ يحمل شحنة خطابية قد تُفضي إلى استبدال تبسيط بآخر. فالمسألة لا تتعلق بسلب تاريخ من طرف إلى آخر، بل بإعادة تشكيله ضمن سرديات حديثة هوياتية وسياسية مأدلجة، خضعت لاعتبارات قومية وأيديولوجية. وعليه، فإن الأدق هو الحديث عن تجزيء تاريخي طال وحدة جغرافية-حضارية كانت قائمة عبر ضفتي المتوسط. فلا يمكن اعتبار الأندلس مجرد امتداد سياسي دائم للمغرب، كما لا يصح فصلها عنه بالكامل. ففي المرحلة الأولى، قامت إمارة قرطبة سنة 756م على يد عبد الرحمن الداخل، ثم تطورت إلى خلافة سنة 929م، واستمرت حتى 1031م. خلال هذه الفترة، كانت الأندلس دولة مستقلة بمركزها السياسي والعلمي في قرطبة.
غير أن هذا الاستقلال لا يعني انقطاع الصلة بالمغرب، بل يؤكد وجود تواصل إنساني حضاري مستمر، تواصلاً لم يبدأ مع وصول الإسلام، بل قبله بكثير، فالتواصل البشري واللغوي كان سائدًا، ولم يكن طارق بن زياد ورفاقه الأمازيغ يجهلون لغات شبه الجزيرة الإيبيرية، لكن هذا موضوع آخر قد نعود إليه في مقال آخر.
أما إذا اقتصرنا على العلاقة بين المغرب والأندلس في ظل الإسلام، فقد تعمقت أكثر على المستوى الفعلي مع صعود دولة المرابطين ثم دولة الموحدين، حيث تحققت وحدة سياسية فعلية شملت المغرب والأندلس ضمن كيان واحد مركزه مراكش، خاصة بعد سقوط طليطلة سنة 1085م واستنجاد ملوك الطوائف بالدول المغربية وسلاطينها. وعليه، فإن العلاقة بين الطرفين لا يمكن فهمها إلا وفق منطق تاريخي مرحلي (عبر مراحل)، لا عبر تعميمات مطلقة غير عقلانية لبناء وتكوين أساطير هواتية.
منطق التبعية: إشكال خاطئ وإجابة مركبة
يُطرح السؤال عمن كان تابعًا لمن بصيغة ثنائية تبسيطية لا تعكس تعقيد الواقع التاريخي. ففي العصر الأموي القرطبي، كانت الأندلس كيانًا مستقلاً، بينما في العصرين المرابطي والموحدي أصبحت أجزاء واسعة منها ضمن دولة مغربية عابرة لضفتي البحر الأبيض المتوسط. فالأدق إذن هو اعتبار الأندلس والمغرب جزءًا من مجال وفضاء حضاري واحد، تعاقبت فيه مراكز السلطة بين قرطبة ومراكش وإشبيلية، وفقًا للتحولات السياسية.
وعليه، فالحضارة الأندلسية لم تكن نتاج طرف واحد، بل ثمرة تفاعل معقد بين مكونات متعددة: عربية، أمازيغية، أندلسية محلية، متوسطية، ويهودية ومسيحية. ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الدور المغربي، سواء في البعد العسكري أو العمراني أو الثقافي. كما أن التأثير كان متبادلاً؛ فقد استقبل المغرب موجات من الأندلسيين (مسلمون ويهود)، خاصة بعد سقوط المدن الأندلسية، مما انعكس على مدن مثل فاس وتطوان وشفشاون. ومن الأمثلة الدالة على هذا التداخل أن منبر الكتبية في مراكش صُنع في قرطبة خلال العصر المرابطي، وهو ما يعكس وحدة المجال الحضاري. وكذلك اللغة اليهودية المغربية/الإسبانية (الحاكتية Haketía) التي تشكلت كمزيج بين الإسبانية القروسطية والدارجة المغربية. التفاعل لا يمكن دراسته فقط من وجهة نظر التاريخ السياسي والعسكري، بل أيضًا من وجهة نظر التاريخ الاجتماعي والثقافي والديني واللغوي، كما هو الحال.
حركة الفكر والبشر: وحدة تجاوزت السرديات التاريخانية الحديثة
لم تكن العلاقة بين المغرب والأندلس أحادية الاتجاه، بل قامت منذ العصور القديمة على حركة مستمرة في الاتجاهين. فقد شهدت فاس منذ القرن التاسع ميلاديًا هجرة جماعات أندلسية، كما أصبح المغرب لاحقًا ملجأً للأندلسيين بعد سقوط الأندلس. هذا التبادل البشري يعزز فكرة أن الحديث عن “تاريخ مغربي” أو “تاريخ أندلسي” منفصل هو اختزال غير دقيق.
يرتبط تجزيء تاريخ الأندلس إلى حدٍّ كبير بسياق تشكّل الدولة الوطنية الحديثة، التي أعادت بناء الماضي بما يخدم تصوراتها الهوياتية والسياسية. ففي هذا الإطار، أُعيدت صياغة تاريخ الأندلس ضمن سرديات متباينة، اتسمت غالبًا بالانتقائية والاختزال. ففي السياق الإسباني، يُدرَّس تاريخ الأندلس في الغالب ضمن سردية «الاسترداد»، وهو ما يؤدي إلى عزله عن امتداده المغاربي وإدماجه في مسار تاريخي داخلي لشبه الجزيرة الإيبيرية. وهذا هو طرح سانتشيث ألبورنوث الذي يعتبر تاريخ الأندلس تاريخًا خارجيًا، في حين يعتبر أمريكو كاسترو أن تاريخ الأندلس تاريخ إسباني محض لا علاقة له بغيره. أما في كثير من الكتابات العربية، فيتم ربط الأندلس بالمشرق الأموي بوصفه مركز الشرعية السياسية والثقافية، مع إغفال في كثير من الأحيان لعمقها المغاربي وتفاعلاتها مع المجال المغاربي عمومًا. كما أن المغرب نفسه ليس بمنأى عن هذا التمطيط، ففي سياق الكتابات المغربية ذاتها، يلاحظ في كثير من الأحيان، إن لم نقل دائمًا، وجود فصل منهجي بين «تاريخ المغرب» و«تاريخ الأندلس» في المناهج التعليمية، رغم ما تكشفه المعطيات التاريخية من تداخل بنيوي ووظيفي بين المجالين كما ذكرنا سابقًا. وعليه، فإن ما يُعبَّر عنه أحيانًا بـ«سرقة» تاريخ الأندلس لا يعدو أن يكون توصيفًا مجازيًا لعملية أعمق، تتمثل في تجزيء منهجي لسردية تاريخية كانت، في أصلها، متصلة ومعقدة ومتشابكة.
إشكالية المصطلحات: بين الفكر والتاريخ
تُستعمل في بعض الكتابات تعبيرات من قبيل «الأندلس الرئة الثانية للإمبراطورية المغربية»، وهي صيغ ذات طابع بلاغي يمكن تفهّمها في السياق الخطابي، لكنها لا تستجيب لمتطلبات الدقة الاصطلاحية في البحث التاريخي. فمثل هذه العبارات تنطوي على إسقاطات حديثة، تستحضر مفاهيم الدولة الوطنية وحدودها السياسية في سياقات تاريخية مغايرة. لذلك، يبدو من الأنسب اعتماد مفاهيم تحليلية أكثر ضبطًا، من قبيل: «المجال المغربي-الأندلسي»، و«الغرب الإسلامي»، و«الدول العابرة للمتوسط»، لما تتيحه من قدرة على استيعاب الطبيعة المركبة للعلاقات السياسية والحضارية في تلك المرحلة، دون الوقوع في تبسيطات اختزالية.
وفي هذا الإطار، فإن تجاوز التجزيء الذي طبع السرديات الحديثة يقتضي تبني مقاربة علمية متعددة الأبعاد، تقوم أولاً على نقد السرديات الثنائية التبسيطية التي تفصل بين المغرب والأندلس أو تدمجهما بشكل مطلق. كما يستدعي الأمر اعتماد تقسيم مرحلي واضح للتاريخ، يميز بين الفترات المختلفة، من المرحلة الأموية القرطبية، مرورًا بمرحلة ملوك الطوائف، ثم مرحلة الوحدة السياسية في عهد المرابطين والموحدين، وصولاً إلى مرحلة غرناطة وما بعدها. وإلى جانب ذلك، ينبغي إبراز دينامية التفاعل المتبادل بين العدوتين في مختلف المجالات، من عسكرية وثقافية وعمرانية واقتصادية دون أن ننسى العامل البشري الأنثروبولوجي، بما يعكس واقع التشابك التاريخي. وأخيرًا، يظل من الضروري الالتزام بلغة تحليلية دقيقة وصفية وتحليلية، قادرة على نقل هذا التعقيد دون الوقوع في الأحكام التبسيطية أو الإسقاطات المعاصرة ذات الأبعاد السياسية والأيديولوجية.
وختامًا، لا يمكن القول إن تاريخ الأندلس “سُرق” من المغرب بالمعنى الحرفي، كما لا يمكن إنكار أن هذا التاريخ قد تعرض لتجزيء أضعف فهمه في السرديات الحديثة. إن الحقيقة التاريخية الأمتن تتمثل في أن الأندلس والمغرب شكّلا، لقرون طويلة، فضاءً حضاريًا واحدًا، لا يُفهم أحدهما دون الآخر.
نعم، هناك ظلمٌ وقع حين جرى فصل الأندلس عن عمقها المغربي والمغاربي في كثير من السرديات الحديثة. لكن التصحيح لا يكون بادعاء أن الأندلس كلها كانت دائمًا “تابعة للمغرب”، بل بإثبات أن تاريخ الأندلس لا يُفهم أصلًا من دون المغرب، كما أن تاريخ المغرب الوسيط لا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
