الأزرارُ، تلك الإكسسواراتُ المنمَّقةُ التي شكَّلت، على الرغمِ من صغرها، ثورةً في عالمِ الموضة، خبا وهجها مع تعاقبِ العقود، وطوى قصَّتها النسيان. مع ذلك، هي لم تكن حتى الماضي القريب مجرَّد أداةٍ للزينة، أو إكسسواراً عملياً، بل كانت رمزاً للثروةِ، والذوقِ الرفيع، والمكانةِ الاجتماعيَّة. سنستكشفُ معاً في التالي أسرارَ صناعةِ هذه الأزرارِ الصغيرة، وكيف ارتقت بملابسِ عصرِ النهضة من مجرَّد قطعٍ عمليَّةٍ إلى تحفٍ فنيَّةٍ.
في ثلاثينيَّاتِ القرنِ العشرين، حوَّلت المصمِّمةُ إلسا سكياباريللي Elsa Schiaparelli الزرَّ إلى عملٍ فني عبر تعاونها مع الحركةِ السرياليَّةِ الناشئة، وقد شهدت مجموعتها باجان Pagan لخريفِ عام 1938 اعتمادَ أزرارٍ على شكلِ حشراتٍ من المعدنِ العنَّابي والسليلوز، وأوراقٍ كبيرةٍ من الرزين، زيَّنت الفساتين والسترات.
التاريخ المذهل للأزرار
يعودُ تاريخُ الأزرارِ إلى آلافِ السنين، إذ كشفت آثارُ وادي السند عن أزرارٍ من الأصداف، ترجعُ إلى نحو 5000 عامٍ، لكنَّها لم تُستَخدم حينها لتثبيتِ الملابس، بل بوصفها عناصرَ زخرفيَّةً، ورموزاً للمكانةِ الاجتماعيَّة. وتُثبت الدراسات، أن الحضاراتِ القديمة، من روما إلى الصين، استخدمت الأزرارَ للزينةِ فقط، وأنها صُنِعَت من موادَّ طبيعيَّةٍ مثل العظامِ، والخشبِ، والمعادنِ، والأحجار. وفي القرنِ الـ 13، أدرك الأوروبيون الإمكاناتِ العمليَّةَ للأزرار، ما أحدثَ تحوُّلاً جذرياً في تصميمِ الملابس، خاصَّةً خلال عصرِ النهضة. وبحلول القرنِ التالي، أصبحت الأزرارُ عنصراً أساسياً في الأزياءِ الأوروبية، لا سيما عند الطبقاتِ الثريَّة، إذ سمحت بتصميمِ ملابسَ أكثر ضيقاً وتناسقاً مع الجسم، بل وامتدَّ استخدامها إلى ستراتِ الرجال، وفساتين النساء، جامعةً بين الوظيفة والجمال.
ومع مرورِ الوقت، تطوَّرت الأزرارُ إلى سلعٍ فاخرةٍ، وظهرت نقاباتٌ لصُنَّاعها في فرنسا وإنجلترا، وارتفعت قيمتها لتُورَّث مثل المجوهرات! وخلال عصرِ النهضة، تحوَّلت الأزرارُ إلى تحفٍ فنيَّةٍ مصغَّرةٍ، تُعبِّر عن الهويَّةِ والمكانةِ الاجتماعيَّة لدرجةِ أن هنري الثامن ارتدى، كما يُقال، سترةً مزيَّنةً بألفَي زرٍّ ذهبي. ولم يكن موضعُ الأزرارِ عشوائياً، بل كان مدروساً بعنايةٍ، ويخدمُ أغراضاً عمليَّةً وزخرفيَّةً. كذلك حملت الأزرارُ دلالاتٍ اجتماعيَّةً عميقةً، إذ عبَّرت موادها وعددها عن الطبقةِ والثروة، بل وعُدَّت أصولاً، يمكن نزعها، أو رهنها، لتُصبحَ استثماراً وزينةً في آنٍ واحدٍ.
يمكنك الاطلاع على تصاميم أيقونية خلدت إلسا سكياباريللي في ذاكرة الموضة
من معرض D boutonner la Mode، الذي نّظم في متحف الفنون الزخرفية، باريس، عام 2015.
زرّ صمّمه Alberto Giacometti لدار Elsa Schiaparelli، حوالي عام 1935.
زر برسم يُعتقد أنه من Jean-Honor Fragonard، أواخر القرن الثامن عشر، من معروضات D boutonner la Mode.
بوستر معرض D boutonner la Mode.
من معرض D boutonner la Mode، الذي نّظم في متحف الفنون الزخرفية، باريس، عام 2015.
معارض عالمية عن الأزرار
كشف معرضُ D boutonner la mode في متحفِ الفنون الزخرفيَّة الذي نُظِّم عامَ 2015 عن مجموعةٍ، تضمُّ أكثر من 3000 زرٍّ فريدٍ من نوعه في العالم، إضافةً إلى تشكيلةٍ مختارةٍ من نحو 100 قطعةِ ملابسَ، وإكسسواراتٍ من مصمِّمي أزياءٍ بارزين، بينهم بول بواريه Paul Poiret، وإلسا سكياباريللي Elsa Schiaparelli، وكريستيان ديور Christian Dior، وجان بول جوتييه Jean Paul Gauthier، وباتريك كيلي Patrick Kelly. وقد صُنِّفت هذه المجموعة، التي تمَّ اقتناؤها عامَ 2012، بوصفها عملاً تراثياً كبيراً من قِبل اللجنةِ الاستشاريَّةِ للكنوز الوطنيَّة.
أبرز صُنّاع الأزرار والمشاغل المتخصصة بهذا الفن
كانت صناعةُ الأزرارِ خلال عصرِ النهضة حِرفةً متقنةً، تتطلَّبُ مهارةً عاليةً، بل إن صانعي الأزرار شكَّلوا وقتها نقاباتٍ متخصِّصةً، وتعاونوا مع صائغي المجوهراتِ، والمطرِّزين، وغيرهم من الحِرفيين لإبداعِ روائعهم المصغَّرة. وتُعدُّ عمليَّةُ صنعِ زرٍّ فاخرٍ من عصرِ النهضة بالغةَ التعقيد، إذ يصنعُ صائغُ الذهبِ في الزرِّ الراقي هيكلاً معدنياً مزخرفاً، ويُرصِّع صائغُ المجوهراتِ الأحجارَ الكريمة، ويُضيف فنَّانُ المينا تفاصيلَ ملوَّنةً.
لم تكن هذه المنتجاتُ تُصنَع بكمياتٍ كبيرةٍ، فهي كانت سلعاً فاخرةً، تُصنَع يدوياً، بما في ذلك.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة سيدتي





