بين ضجيج التصريحات الرسمية التي تروج لـ تهدئة أو هدنة هشة وبين أزيز المسيرُّات وصفارات الإنذار التي لا تكاد تهدأ يبدو أن الصراع الإيراني الإسرائيلي قد دخل مرحلة ضبابية تتجاوز كافة التعريفات التقليدية للحروب فنحن اليوم لا نعيش سلاماً بمفهومه الحقيقي انما نعيش حالة من الحرب في طور الإنكار حيث يتحول وقف إطلاق النار من كونه غاية إنسانية أو سياسية إلى مجرد أداة تكتيكية لإدارة الصراع وتغيير قواعده الميدانية
إن الهدنة في القواميس السياسية الكلاسيكية تعني عادة توقف الأطراف عن القتال لمنح الدبلوماسية فرصة لرسم ملامح حلول مستدامة أما في القاموس الخاص بالصراع "الإيراني _الإسرائيلي" فإن الهدنة ليست سوى عملية إعادة تموضع لزوايا الهجوم واستعادة للأنفاس قبل جولة أكثر ضراوة فبينما يهدأ القصف المباشر فوق العواصم والمدن الكبرى تستمر النيران في الاشتعال تحت الرماد في ساحات إقليمية ممتدة مما يجعل مصطلح التهدئة مجرد غطاء شكلي لواقع أمني وعسكري يزداد شراسة يوماً بعد يوم
وهو ما يشير إلى أننا أمام مرحلة انتقالية من المواجهة الشاملة والصدام المفتوح إلى ما يمكن تسميته "حرب الاستنزاف الذكية"
إن الواقع الميداني اليوم يؤكد أن الطرفين يدركان تماماً أن الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة ومباشرة سيكلف الجميع أثماناً باهظة قد لا تتحملها الاقتصادات المنهكة أو البنى التحتية الحساسة ولذا نشهد استبدالاً تدريجياً للصواريخ الباليستية العابرة للحدود بالهجمات السيبرانية المعقدة التي تمتلك القدرة على شل مرافق الدولة الحيوية من محطات طاقة وشبكات مياه دون إطلاق رصاصة واحدة كما يتم الركون إلى استراتيجية الاغتيالات الصامتة التي تستهدف العقول والكوادر العلمية والعسكرية المؤثرة وحرب الوكلاء التي تضمن بقاء الجبهات مشتعلة في لبنان واليمن والعراق بالنيابة عن المركزين في طهران وتل أبيب وهذا التغيير في شكل الأدوات هو ما يجعل المواطن العادي والمراقب السياسي يشعر بأن "الواقع غير شكل"
لأن الصراع لم يعد مرتبطاً بحدود جغرافية تقليدية يمكن رسمها أو التفاوض عليها انما هو صراع وجودي عميق يرتكز على السيادة التكنولوجية والنفوذ الجيوسياسي المطلق فإسرائيل ما زالت ترى في المشروع النووي الإيراني وتمددها الإقليمي تهديداً وجودياً وخطاً أحمر لا يمكن لأي هدنة سياسية أن تمحوه من عقيدتها الأمنية
وفي المقابل تعتبر إيران أن وجودها العسكري ونفوذها في دول الطوق هو درعها الحيوي وسلاحها الاستراتيجي الذي لا يمكن التنازل عنه تحت وطأة أي ضغوط أو تفاهمات مؤقتة
هذا التناقض الجذري في الرؤى والأهداف يجعل من أي اتفاق لوقف إطلاق النار مجرد "حبر على ورق" في المنظور البعيد بينما تتحرك الغواصات في أعماق البحار وتجوب المسيرُّات المتطورة الأجواء لتثبيت موازين.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
