د. عبدالله باحجاج
عندما نُفكِّر في مستقبل استدامة الاستقرار الاجتماعي في ضوء التحوُّلات المختلفة في بلادنا منذ عام 2020 خاصةً، والعالم عامةً، نخرج دائمًا بالنتيجة ذاتها، وهي أننا نحتاج إلى قطاع ثالث قوي لضمان مستقبل الاستقرار؛ فمستقبل التنمية بصورة مجردة، أي لعموم الدول، لم يعد يقوم على ركيزتين فقط، وهما القطاعان الحكومي والخاص، وإنما كذلك على ركيزة ثالثة، وهي مؤسسات المجتمع المدني.
هذه الركيزة مفهومها كبير ومتعدد، وفي بلادنا يمكن الحديث على وجه الخصوص عن القطاع الخيري بمؤسساته الأهلية والخيرية والتطوعية والوقفية والتعاونية. وهذا يُطلق عليه مسمى القطاع الثالث أو "الاقتصاد الاجتماعي"، وتتوفر لبلادنا كل مقومات إقامته في فترة زمنية سريعة، وسيغطي كل الاختلالات الناجمة عن التحولات التي تظهر الآن فوق السطح، وتلك المقبلة مستقبلًا. وفعلًا، ما أحوج بلادنا الآن إلى تأسيس اقتصاد اجتماعي أو إقامة قطاع ثالث قوي، الذي هو مجموعة المؤسسات التي يُنشئها المجتمع نفسه لخدمة أهداف اجتماعية وتنموية، ويُعاد استثمار عوائدها لخدمة المجتمع نفسه وللاقتصاد الوطني؛ أي أنه يعمل لخدمة المجتمع والتنمية والتكافل، وله مجموعة أهداف مباشرة، أبرزها: تعزيز التكافل الاجتماعي، ودعم التنمية المحلية، وزيادة النشاط التجاري، وخلق فرص عمل، وتقوية المشاركة المجتمعية، وتخفيف العبء على الحكومة، وإيجاد ضمانة مستدامة للاستقرار الاجتماعي. وهذه الأهداف مستهدفة لذاتها في بلادنا، بعد تحولاتها المالية والاقتصادية، وفي ضوء التحديات الجيوسياسية التي تتجه نحو مزيدٍ من التعقيدات.
جاءتنا فكرة الاقتصاد الاجتماعي أو إقامة قطاع ثالث قوي إلى جانب القطاعين الحكومي والخاص، بعد منح أراضٍ استثمارية في مواقع استراتيجية للجان الزكاة والفرق التطوعية بالولايات لضمان استدامتها المالية، ومن ثم الحفاظ على استقرار الأسر. وتستفيد من هذه المبادرة 66 لجنة زكاة و65 فريقًا تطوعيًا، وهذه الخطوة قد جاءت بتوجيهات سامية من لدن عاهل البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، بعدما أثبتت تلك المؤسسات نجاعتها في العمل الاجتماعي الخيري، وضربت أطرها وكوادرها نماذج مشرفة في الأداء التطوعي، والتدخل في مساعدة الأسر في الآجال المناسبة. ولن يختلف معنا أحد إذا ما قلنا إنها قد أصبحت عمدة التماسك الاجتماعي؛ فهي الأقرب للمواطنين، والأقدر على استشعار احتياجاتهم، والأسرع للوصول إليهم بصورة دائمة ومستدامة، بالذات الفئات التي تحتاج للدعم والرعاية المستدامين.
هنا يظهر لنا القطاع الثالث كركيزة ثالثة تُكمِل دور الحكومة والقطاع الخاص، وكقوة للاستقرار الاجتماعي المستدام، بصرف النظر عن تقلبات الأحوال المالية العامة. وهذا استشراف استراتيجي نقدمه لدعم تحولات بلادنا في قضايا الاستدامة المالية وتخفيف الأعباء على موازنة الدولة، عبر إيجاد مصادر دخل بديلة ومستدامة بعيدًا عن عوائد النفط والغاز... إلخ. ونتناول استشرافنا هنا كخيار استراتيجي لبلادنا لتحقيق تنمية متوازنة واستقرار مستدام؛ إذ إن الاعتماد الاجتماعي المطلق أو الكبير على القطاعين الحكومي والخاص ينبغي أن يخضع بدوره للتقييم وإيجاد البدائل الآمنة والمضمونة. والقطاع الثالث القوي نموذج شبه جاهز الآن، في ضوء ما سبق ذكره، ومن خلاله يمكننا إيجاد حل لقضية الاستدامة المالية للاستقرار الاجتماعي.
ونؤكد أن هناك فرصة لبلادنا في ظل رهاناتها على نظام اللامركزية في تحقيق التنمية المحلية في كل محافظة من خلال الاقتصاد الاجتماعي/القطاع الثالث القوي؛ إذ يملك هذا القطاع رصيدًا ثقافيًا واجتماعيًا غنيًا يقوم على التكافل والتعاون، ويُشكِّل أرضية صلبة لإقامة الاقتصاد الاجتماعي (القطاع الثالث)، وتجربتنا في العمل الخيري والتطوعي الآن نموذجية؛ ففي كل محافظة جمعيات وفرق أهلية وتطوعية وأوقاف استثمارية........
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
