في مشهد سياسي لا يخلو من السخرية السوداء، يبدو أن بعض الأحزاب قد قررت أخيرًا تبسيط خطابها إلى أقصى حد ممكن، اختصارًا للجهد، وربما للوعود أيضًا. فلا حاجة بعد اليوم لبرامج اقتصادية معقدة، ولا لإصلاحات اجتماعية عميقة، ولا حتى لخطط استعجالية في التعليم أو الصحة يكفي فقط أن نُرجع الساعة إلى الوراء، وكأن الزمن هو أصل الداء، وإعادته كفيلة بالشفاء.
هكذا، تحوّل موضوع الساعة الإضافية من نقاش تقني محدود إلى نجم الحملات الانتخابية، متصدّرًا المشهد، ومزيحًا البطالة وغلاء المعيشة إلى الصفوف الخلفية، في انتظار ربما توقيت سياسي مناسب، للعودة إلى الواجهة.
الأحزاب التي كانت إلى وقت قريب تتحدث بلغة الإصلاح الشامل، وتعد بإعادة هيكلة الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية، وجدت في عقارب الساعة ملاذًا آمنًا من أسئلة الواقع الثقيلة. فبدل أن تُسأل: كيف ستوفرون فرص الشغل؟ أصبح السؤال: هل ستعيدون لنا الساعة القديمة؟
ولأن السياسة فن الممكن، فقد أصبح الممكن اليوم هو التحكم في الزمن، أو على الأقل الإيحاء بذلك. أما المستحيل، فهو على ما يبدو إصلاح منظومة التعليم، أو إنعاش القطاع الصحي، أو كبح جماح الأسعار فهذه ملفات تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد تقديم أو تأخير بستين دقيقة.
المفارقة الساخرة أن بعض الخطابات السياسية باتت توحي وكأن المواطن لا يعاني من ضغط الحياة بقدر ما يعاني من ضغط المنبه. وكأن معاناة الأسر مع تكاليف المعيشة يمكن أن تُحل بضبط ساعة الحائط، أو أن تأخر التلاميذ في التحصيل سببه توقيت الدراسة، لا جودة التعليم.
في خضم هذا العبث الزمني، قد يجد المواطن نفسه أمام برنامج انتخابي واضح وبسيط:
صوّت لنا نُعدك بأن نمنحك ساعة نوم إضافية، ونُعفيك من التفكير في باقي المشاكل.
لكن، وبين تقديم وتأخير، يبقى السؤال معلقًا: هل فعلاً نحتاج إلى تغيير الساعة، أم إلى تغيير طريقة التفكير في السياسة نفسها؟
ربما آن الأوان لنُدرك أن الزمن لا يُصلح ما أفسدته السياسات، وأن عقارب الساعة، مهما دارت، لن تعيد الثقة المفقودة، ولا الأمل المؤجل.
إلى ذلك الحين، يبدو أن السياسة قررت أن تختصر كل شيء، في ستين دقيقة فقط
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء المغربية
