ولنتوقف قليلا عند مفهوم الجيل الجديد من البرامج المندمجة في طياته اللسانية التي تعطيه بعدا دلاليا يتجاوز البعد التقني، ليعبر عن نقلة مفصلية في فلسفة التدبير العمومي

يجب أن نفترض بداية أن الإعلان عن الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة، كما ورد في خطاب افتتاح الدورة التشريعية خلال شهر أكتوبر، قد جاء ليؤسس لمرحلة نوعية في مسار إعادة بناء الرؤية التنموية للدولة على أسس أكثر نضجا ووعيا بتعقيدات الواقع، حيث عكست هذه اللحظة السياسية دلالة عميقة مفادها أن الدولة تنظر إلى التنمية باعتبارها عملية مركبة تستدعي إعادة هندسة شاملة لمقاربات التدخل العمومي. ومن خلال هذا الإعلان، برزت الدولة هنا، كفاعل استراتيجي قادر على استخلاص الدروس من التجارب السابقة، وعلى تحويلها إلى رافعة للتجديد، بما يضمن الانتقال إلى نموذج تنموي أكثر اندماجا وفعالية، وهو ما يعكس تطورا نوعيا في الجيل الجديد لبرامج التنمية، حيث تتراكم الخبرات ويعاد ترتيبها في أفق يشمل العدالة المجالية والنجاعة الترابية في صلب أولوياته.

وفي هذا الإطار، جاء انخراط وزارة الداخلية بتوجيه ملكي سديد، عبر تنظيم لقاءات تشاركية موسعة مع الفاعلين المحليين ليؤكد أن هذا الجيل الجديد لا يقتصر على تجديد الأدوات، بقدر ما يشمل تجديد جذري في منهجية الاشتغال، من خلال إرساء مقاربة تشاركية متقدمة تستوعب مختلف الفاعلين الترابيين، إذ تحولت اللقاءات إلى مختبرات حقيقية لإنتاج الرؤية وفتح نوافذ جديدة بخصوص زوايا المعالجة، حيث لم يعد الفاعل المحلي مجرد متلق للتوجيهات من المركز، لكنه أصبح شريكا أساسا في المعادلة التنموية، يسمع صوته بشكل عال ويؤخذ بتصوراته في صياغتها، بما يعكس تحولا عميقا في تصور الدولة لدورها. وهكذا، تتجلى الدولة في هذا السياق، باعتبارها منظومة منفتحة على محيطها، قادرة على احتضان التعدد، وتوجيهه نحو تحقيق انسجام استراتيجي يضمن التكامل بين المبادرات المحلية والرؤية الاستراتيجية والاستباقية. كما يعكس هذا التحول وعيا متقدما بأن التنمية، في جوهرها، لا يمكن أن تكون فعالة إلا إذا انبثقت من تفاعل حي ومتكافئ بين المركز والمجال، في إطار جو من الثقة والتكامل.

ولنتوقف قليلا عند مفهوم الجيل الجديد من البرامج المندمجة في طياته اللسانية التي تعطيه بعدا دلاليا يتجاوز البعد التقني، ليعبر عن نقلة مفصلية في فلسفة التدبير العمومي. فالأمر متعلق بإعادة بناء منطق اشتغال الدولة على أساس التقائية حقيقية بين السياسات، بما يسمح بتحقيق أثر مضاعف للتدخلات العمومية. وقد أبانت الدولة، من خلال هذا التوجه، عن قدرتها على تطوير أدواتها المؤسسية، وتعزيز آليات التنسيق، وتبسيط المساطر، بما يخلق بيئة ملائمة لنجاح هذه البرامج.

أيضا وفي ذات السياق، لابد من التذكير بأن ورش الجهوية المتقدمة يشكل، بدوره، رافعة أساسية لتفعيل هذا التحول، حيث لا يختلف اثنان على دور الجماعات الترابية المحوري في المبادرة والتنفيذ، في إطار تكامل خلاق مع التوجيه المركزي الذي يضمن وحدة الرؤية وتماسكها، بما يعكس توازنا دقيقا بين اللامركزية والفعالية.

ومن زاوية أخرى، يمكن القول أن هذا الجيل الجديد ينسجم مع التحولات الكبرى التي يعرفها العالم في مجال التنمية، حيث أصبح من الضروري اعتماد مقاربات مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الترابط الحاصل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، حيث أظهر جلالة الملك محمد السادس من خلال توجيهاته السامية، يقظة استباقية وقدرة عالية على مواكبة هذه التحولات، بخصوص إدماج مبادئ الاستدامة في السياسات العمومية، وتوجيه تدخلاتها نحو تحسين جودة حياة المغاربة، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، وتقليص الفوارق المجالية. ما يعكس رؤية ملكية استراتيجية تجعل من الإنسان المغربي محورا لكل تدخل، وتؤكد أن التنمية الحقيقية مرتبطة أساسا بمدى قدرتها على تحقيق الإنصاف والكرامة. وهكذا، يظهر هذا الجيل الجديد من البرامج كترجمة عملية للنظر الملكي السديد، حيث تتقاطع الأبعاد المختلفة للتنمية في إطار رؤية متكاملة واضحة المعالم.

وفي سياق متصل، وبخصوص إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، يشكل هذا الجيل الجديد فرصة لتعزيز التعاقد الاجتماعي على أسس أكثر صلابة ووضوحا لأن اللقاءات التشاركية، بما أتاحته من فضاءات للنقاش والتفاعل، ساهمت كثيرا في تقريب المسافة بين صانع القرار بالمركز والفاعل المحلي بالمجال، معيدة الاعتبار للمنهجية التشاركية كآلية لإنتاج السياسات العمومية، خاصة مع انطلاق تنزيل هذه البرامج، بدأت ملامح تحول إيجابي في العلاقة بين الدولة والمواطن، حيث تتجسد الإرادة السياسية في مبادرات ملموسة تستجيب لحاجيات المواطن الملحة.

إن هذا المسار يعكس كذلك في العمق، قدرة الدولة على تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى مبادرات متحققة، وفق علاقة جديدة قوامها الثقة المتبادلة والانخراط الجماعي في مشروع تنموي مشترك. ويبرز دور وزارة الداخلية، في هذا الاتجاه، كفاعل محوري في ضمان نجاح هذا الورش، حيث تضطلع بوظيفة تنسيقية وتوجيهية تضمن انسجام التدخلات وتكاملها على المستوى الترابي، إذ تمكنت الوزارة، بفضل المسؤولية المنوطة بها، من تأطير هذه الدينامية بشكل فعال، مع الحرص على تمكين الجماعات الترابية وتعزيز قدراتها التدبيرية. وبهذا المعنى، يتجلى تدخل الدولة في صورته الحديثة، كقوة مواكبة ومحفزة، تهيئ الشروط الملائمة للإبداع المحلي، وتوفر الإطار المؤسسي الذي يسمح بتفجير الطاقات الكامنة داخل المجالات الترابية. حيث سيشكل هذا التوازن الجديد بين التأطير المركزي والمبادر المحلي أحد أبرز رهانات هذا الجيل الجديد، بما يضمن بناء تنمية مندمجة تنطلق من المجال وتنسجم مع الرؤية الوطنية.

أما على المستوى المالي، فقد عكست الدولة وعيا استراتيجيا بضرورة تأمين الموارد اللازمة لإنجاح هذا الورش، حيث تم اعتماد مقاربات متعددة ومبتكرة في التمويل، تجمع بين الموارد العمومية، والاستثمارات الخاصة، والشراكات الدولية. وقد ساهم هذا التنوع في تعزيز قدرة البرامج على الاستجابة لحاجيات المجالات الترابية، وضمان استمرارية المشاريع واستدامتها. كما حرصت الدولة على ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير هذه الموارد، بما يضمن الشفافية، ويعزز الثقة، ويحقق توزيعا عادلا يراعي خصوصيات كل مجال. وأن تعبئة هذا التمويل سيشكل بدوره، دعامة أساسية لنجاح هذا الجيل الجديد، حيث يتم توظيف الموارد المالية بشكل معقلن لتحقيق أقصى أثر ممكن.

وفي ما يتعلق بآليات التتبع والتقييم والمواكبة، فقد اتجهت الدولة نحو إرساء منظومة حديثة تقوم على مؤشرات دقيقة، وأدوات تحليل متقدمة، تسمح بقياس الأثر الحقيقي لهذه البرامج، ومواكبة تنفيذها بشكل مستمر، وهو توجه يعكس تحولا فارقا في الثقافة الإدارية، حيث أصبح التقييم جزءا لا يتجزأ من دورة السياسات العمومية، بما يضمن تحسين الأداء وتصحيح المسار عند الحاجة وفق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز الثقة في العمل العمومي، وفي المؤسسات، وضمان استدامة النتائج المحققة. وهكذا، يتجلى الجيل الجديد من البرامج ليس فقط في مضمونها، كذلك في طريقة تدبيرها، حيث يتم الانتقال الفعلي إلى نموذج أكثر نجاعة وشفافية.

يمكن القول، في الختام، أن الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة يمثل تعبيرا متقدما عن دولة متجددة، قادرة على استيعاب تحولات محيطها، وتطوير أدواتها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة لأنه تحول في العمق، يمس فلسفة المؤسسات، ويعيد ترتيب العلاقة بين المركز والمجال، وبين الدولة والمجتمع، وبين الطموح الذي يحمله هذا الجيل الجديد، والإمكانات التي تمت تعبئتها لإنجاحه، وأن الحاجة ملحة اليوم إلى منطق الدولة كفاعل استراتيجي يفعل هذا التحول بثبات، مستندة إلى رؤية ملكية واضحة وإرادة قوية، وماضية في بناء نموذج تنموي يفتح آفاقا أرحب لتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ أسس مغرب قوي مزدهر ومتماسك.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
2M.ma منذ 6 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ 6 ساعات
بلادنا 24 منذ ساعة
هسبريس منذ 53 دقيقة
هسبريس منذ 5 ساعات
2M.ma منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 57 دقيقة