يشهد العالم طفرة غير مسبوقة في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل القطاع الصحي، حيث باتت هذه التقنيات جزءاً أساسياً من منظومة التشخيص والعلاج وإدارة البيانات الطبية. وفي السعودية، تتسارع وتيرة هذا التحول بشكل لافت، مدفوعة برؤية طموحة تستثمر أحدث التقنيات لخدمة المرضى ورفع كفاءة الأداء في المرافق الصحية، بما ينسجم مع مستهدفات برنامج التحول الصحي في رؤية المملكة 2030.
ضمن جهود وزارة الصحة لتطوير خدماتها، أدخلت الوزارة نظام مستشفى (صحة) الافتراضي الذي يوظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأشعة السينية المقدمة للحجاج. وأوضحت الوزارة أن استخدام الخوارزميات المتقدمة، أسهم في التنبؤ بالأمراض التي قد تصيب الرئتين والقلب، مما رفع دقة تقييم الأطباء للنتائج، وساعد في منح الأولوية للحالات الحرجة التي تتطلب تدخلاً عاجلاً.
ومكّن النظام الأطباء من تحديد المناطق المشتبه بها في صور الأشعة بدقة أعلى، الأمر الذي دعم أقسام الطوارئ في تسريع التشخيص وتحسين جودة الرعاية. وأكدت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي ضمن توجهها لاستثمار أحدث التقنيات الطبية المتقدمة، بما يحقق الاستفادة المثلى من الخدمات الصحية ويرفع كفاءة الأداء.
لم يتوقف التطور عند التشخيص، بل امتد إلى غرف العمليات، حيث حققت السعودية إنجازات نوعية في مجال الطب الروبوتي. فقد نجح مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر، في إجراء أول عملية قلب مفتوح باستخدام الروبوت، نُفذت بدقة عالية على يد فريق طبي متخصص ومدرّب على أحدث التقنيات. ومن المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز دقة العمليات الجراحية ورفع مستوى سلامة المرضى.
وفي إنجاز طبي عالمي غير مسبوق، سجّلت المملكة أول جراحة دماغية روبوتية لاستئصال ورم دماغي في العالم، وذلك في مستشفى ومركز أبحاث الملك فيصل بالرياض، لمريض يبلغ 68 عاماً كان يعاني من ورم بحجم 4.5 سم مصحوباً بصداع شديد وفقدان في التركيز. ويُعد هذا الإنجاز علامة فارقة في تاريخ الجراحة الروبوتية عالمياً، ويعكس مستوى التطور الذي وصل إليه القطاع الصحي السعودي.
ضرورة لكنه لا يملك
التعاطف الإنساني
ولأن المعنيين بهذا الأمر هم الأطباء، طرقنا أبوابهم وطرحنا الموضوع عليهم، وكانت البداية مع طبيبة الأسرة الدكتورة مايا محيي الدين، التي أشارت إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال الطبي أصبح «ضرورة ملحّة»، وأن عدداً متزايداً من الأطباء باتوا يعتمدون على هذه التقنيات داخل عياداتهم لدعم عمليات التشخيص ووضع الخطط العلاجية.
وتوضح أن الذكاء الاصطناعي قادر على تقديم مجموعة من الاحتمالات التشخيصية عند وجود غموض في طبيعة الحالة، إضافة إلى مساعدته في بناء خطط علاجية تستند إلى وجهات نظر متعددة، وتقديم مؤشرات حول المخاطر المحتملة لبعض التدخلات الجراحية أو العلاجات الدوائية.
ورغم هذه المزايا، تشدد الدكتورة مايا على أن الذكاء الاصطناعي «لا يمكن أن يكون بديلاً عن الطبيب البشري»، مؤكدة أن الطبيب يمتلك القدرة على التواصل الإنساني وفهم مشاعر الخوف والقلق لدى المريض، وهي جوانب لا تستطيع أي تقنية محاكاتها. وتضيف أن العديد من الحالات المعقدة تتطلب حضور الطبيب وخبرته ولمساته الإنسانية، مشيرةً إلى أن العلاقة بين الطبيب والمريض تظل جوهر الطب الإنساني الذي لا يمكن للتقنيات الحديثة انتزاعه.
شريك وداعم للممارسة الطبية المتقدمة
تؤكد أخصائية الجلدية والتجميل، الدكتورة رغد القاسم، من جهتها، أن الذكاء الاصطناعي أصبح، خلال السنوات الأخيرة، إحدى أهم الأدوات الداعمة للممارسة الطبية؛ نظراً لدوره المتزايد في تحسين جودة الرعاية الصحية. وتوضح أن هذه التقنيات تعتمد على تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية، مثل الصور السريرية ونتائج التحاليل والسجلات الصحية، ما يمكّن الأطباء من الوصول إلى معلومات دقيقة بسرعة أكبر، وبالتالي دعم اتخاذ القرار الطبي وتقليل احتمالية الأخطاء.
وتشير الدكتورة القاسم، إلى أن الذكاء الاصطناعي في مجال الجلدية والتجميل يمكن أن يسهم في تحليل الصور الجلدية ومتابعة تطور الحالات مع مرور الوقت، إضافة إلى تقييم النتائج بعد الإجراءات التجميلية من خلال مقارنة الصور قبل وبعد العلاج. كما يساعد في تنظيم البيانات الطبية وتحسين متابعة المرضى، الأمر الذي يتيح للطبيب تقديم رعاية أكثر دقة وتنظيماً. ورغم ذلك، تشدد على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً للطبيب، لأنه يفتقر للجانب الإنساني في التواصل مع المريض وفهم ظروفه الشخصية والعاطفية. وتؤكد الدكتورة القاسم أن ثقة المرضى ما زالت تعتمد بشكل كبير على وجود إشراف طبي مباشر عند استخدام هذه التقنيات، إذ يشعر المريض بطمأنينة أكبر عندما يكون القرار النهائي بيد الطبيب. وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثّل إضافة مهمة للقطاع الصحي، لكنه سيظل أداة مساعدة تعزز دور الطبيب ولا تستبدله.
الطبيب الآلي
قد يصبح واقعاً
من جانبه، أوضح استشاري جراحة المسالك البولية بمدينة الأمير سلطان الطبية، الدكتور طالع العفراء، أن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر ملامح الممارسة الطبية بشكل واضح ومتدرّج، مشيراً إلى أن أكثر التخصصات استفادة من هذه التقنيات هي المختبرات الطبية، وتحليل النتائج، وطب الأشعة.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على تحليل الصور الطبية وإصدار تقارير تساعد الطبيب في التشخيص، كما دخل بقوة في مجال علم الأنسجة من خلال تحليل صور العينات وإعطاء تشخيصات دقيقة. لكنه يؤكد أنه لا يمكن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في تشخيص الحالات المزمنة إكلينيكياً دون وجود الطبيب، رغم أنه قد يتفوق على الطبيب البشري في بعض الجوانب التي تعتمد على تحليل البيانات الضخمة.
وعن مدى تقبّل الأطباء والمرضى للتشخيص الآلي، يشير الدكتور العفراء إلى وجود توجه متزايد نحو قبول الفكرة، متوقعاً ظهور (الطبيب الآلي) في المستقبل القريب، خصوصاً في العيادات الافتراضية والأولية. لكنه يرى أن النموذج الأقرب للتحقق هو وجود طبيب آلي مساعد داخل العيادات يعمل إلى جانب الطبيب البشري، ويعزز دقة القرارات الطبية، خاصة فيما يتعلق بجرعات الأدوية، الأعراض الجانبية، التداخلات الدوائية، وموانع الاستخدام. ويتوقع الدكتور العفراء أن يصبح في كل عيادة مستقبلية طبيب آلي يساعد في مراجعة بيانات المريض.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ
