ترامب وجينبينغ، وطيف العام 1914

أود آرن ويستاد* - (إندبندنت عربية) 31/3/2026 أود آرن ويستاد* - (إندبندنت عربية) 31/3/2026

يتشابه التنافس بين الولايات المتحدة والصين مع أجواء ما قبل العام 1914، حين أدى تراكم أزمات صغيرة إلى صدام واسع. وعلى الرغم من الترابط الاقتصادي، تغذي الشكوك والتفاوتات الداخلية والتوتر حول تايوان مخاطر التصعيد، مما يجعل التعاون ضرورة لتجنب مواجهة كارثية.

***

في أوائل العقد الثاني من القرن العشرين، كان وزير الخارجية البريطاني، إدوارد غراي، يراقب العالم من مكتبه في وايتهول، لندن. كان يشاهد عدة حروب صغيرة، لكنه لم يرَ شيئاً من شأنه أن يضع القوى العظمى آنذاك في مواجهة بعضها بعضاً -حتى إنه كتب لاحقاً في مذكراته: "في الأشهر الأولى من العام 1914، بدت الساحة الدولية والعلاقات بين الدول أكثر صفاء مما كانت عليه في أي وقت مضى".

ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى، بالطبع، بعد أشهر قليلة، وأودت بحياة 40 مليون شخص. ولم يتوقعها أحد تقريباً، لكن كثيرين، بمن فيهم اللورد غراي، استنتجوا لاحقاً أنها حدثت لأن القوى العظمى لم تتمكن من حل النزاعات الصغيرة المتعددة التي أدت مجتمعة إلى تغذية حرب العام 1914.

يبدو العالم اليوم شبيهاً، بشكل مثير للقلق، بعالم أوائل القرن العشرين -ليس بسبب الحروب الإقليمية التي تكتنفه فحسب، مثل تلك الدائرة في إيران وأوكرانيا، بل أيضاً لأنه عالم متعدد القوى العظمى، من بينها الصين وروسيا والولايات المتحدة، وكل منها يتمسك بمكانته بشدة. إنه عالم مليء بالنزعات القومية والإرهاب والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي وتعثر العولمة، تماماً كما كان الحال آنذاك. وقادته يتواصلون، ولكن من دون فهم حقيقي لبعضهم بعضاً. وهناك شعور بأن الوقت ينفد أمامهم لتسوية خلافاتهم، مثلما حدث مع أسلافهم قبل مائة عام. وكان القيصر الروسي نيقولا الثاني قد كتب إلى ابن عمه القيصر فيلهلم الثاني عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى: "أتوقع أن يتم إغراقي قريباً تحت وطأة الضغوط المفروضة علي، وسأُضطر إلى اتخاذ إجراءات قاسية ستؤدي إلى الحرب". والإحساس بأن التاريخ يعيد نفسه يكون أحياناً قوياً للغاية.

يتجلى هذا الشعور بوضوح في العلاقات الأميركية - الصينية اليوم. وعندما يلتقي رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جينبينغ في قمتهما المرتقبة في بكين، يجب أن يدرك الرجلان خطورة التنافس غير المنضبط. فقد يكون الصراع الخارج عن السيطرة بين القوتين الرائدتين في العالم كارثياً على بلديهما وعلى العالم بأسره. ويؤكد الجانبان رغبتهما في إيجاد سبل لوقف الانزلاق نحو المواجهة، إلا أن أياً من الزعيمين لا يبدو مدركاً لحقيقة أن الهُدن المؤقتة في مجال التجارة والتعريفات الجمركية، أو النوايا المعلنة بشأن مكافحة المخدرات، لا تكفي لإعادة العلاقات بين الولايات المتحدة والصين إلى مسارها الصحيح.

وعموماً، لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأننا نعود إلى علاقات شبيهة بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين. بل إن الشؤون الدولية اليوم يمكن فهمها بشكل أفضل عند مقارنتها بإعادة الترتيبات التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حين كان الترابط الاقتصادي موضع شك، وكانت قوى عظمى عديدة تتنافس على النفوذ. وقد انتهى ذلك العالم، كما نعلم، بكارثة العام 1914. ولكي تتفادى الصين والولايات المتحدة هذا المصير اليوم، وتحقيق نوع من الانفراج، لا بد من تعاون إيجابي بينهما، بما في ذلك معالجة بعض المشكلات الأساسية الكامنة في العلاقة بينهما.

القوى العظمى في حالة تراجع

تُثير المقارنات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين اليوم بعض القضايا نفسها التي كانت قائمة بين بريطانيا وألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى. وكما حدث لبريطانيا في أوائل القرن العشرين، انتقلت الولايات المتحدة من موقع الهيمنة الاقتصادية إلى موقع تُعد فيه واحدة من بين عدة قوى كبرى. وقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة بكثير من حيث إجمالي الإنتاج الصناعي. وتعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري مع أكثر من 100 دولة، إلا أن العجز مع الصين هو الأكبر، إذ بلغ نحو 200 مليار دولار في العام 2025.

لكن كما هي الحال مع بريطانيا في أوائل القرن العشرين، فإن قصة تراجع الولايات المتحدة صحيحة نسبياً فحسب. فواشنطن اليوم تتمتع ببعض المزايا نفسها التي تمتعت بها بريطانيا آنذاك. فهي تهيمن على القطاع المصرفي والمالي العالمي، وعملتها هي عملة العالم، كما أنها تضع قواعد لكثير مما يجري في المجتمع الدولي، من النقل إلى الحواسيب إلى الموضة. وتمتلك الولايات المتحدة اليوم أيضاً عوامل أخرى تصب في صالحها، فهي تنفق على البحث والتطوير أكثر بكثير مما كانت تنفقه بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى، على سبيل المثال. وتستثمر الولايات المتحدة اليوم ما يقارب 3.5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في ابتكار منتجات وتقنيات جديدة، وهو معدل يفوق ذاك المسجل في أي دولة أخرى. كما أنها تمتلك سوقاً داخلية ضخمة، وتركيبة سكانية مواتية، وإمكانية الوصول إلى موارد طبيعية داخل أراضيها. وهذه كلها مزايا لم تكن متاحة لبريطانيا في العام 1914.

ومع ذلك، تشعر الولايات المتحدة بفقدان مكانتها الريادية لأن موقعها النسبي قد تغير جذرياً خلال القرن الماضي. فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت تمتلك نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ وحتى بعد الحرب الباردة، كانت حصتها تتجاوز 20 في المائة. لكن هذه المكانة كانت قائمة على ظروف استثنائية. فقد دُمرت أوروبا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية، بينما عانت الصين قرناً من الحروب، أعقبته ثورة شيوعية لم تُحقق، على الأقل في البداية، سوى قليل من الإنجازات لشعبها.

والآن، بعد أجيال من السلام والاستقرار النسبي، ليس من المستغرب أن تتمكن القوى الصناعية الأخرى من مجاراة الولايات المتحدة. ففي العام 1990، على سبيل المثال، كانت اليابان أقرب منافس لها، مع اقتصاد شكل 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما حصة الصين، فلم تكن تتجاوز 4 في المائة آنذاك، لكنها قفزت منذ ذلك الحين إلى 19 في المائة. وبالنظر إلى أن صعود القوى الأخرى كان شبه حتمي، فإن وضع الولايات المتحدة اليوم، مع حصة تبلغ نحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لا يبدو سيئاً إلى هذا الحد. إلا أن الشعور بالتراجع قد غذى حالة من الاستياء.

ما يزال الأميركيون يشككون في أن الأساليب التي استخدمتها الصين لدفع عجلة نموها لم تكن نزيهة. وقبل الحرب العالمية الأولى، وُجهت اتهامات مماثلة لألمانيا. فكما هو الحال مع الصين اليوم، امتلكت ألمانيا نظاماً شاملاً للتجسس الصناعي تقوده الدولة، استهدف الخبرات العسكرية والمدنية على حد سواء. وقد استخدمت الإعانات الحكومية، والحواجز غير الجمركية، ونقل التكنولوجيا القسري، لمنح شركاتها امتيازات، وهو ما تفعله الصين الآن. وعلى الرغم من أن دولاً متعددة، بما فيها الولايات المتحدة، استعانت بمزيج من هذه الأساليب لتعزيز نموها، فإن الجهود الصينية اليوم تبدو أكبر بكثير من أي شيء شهدناه من قبل.

ومع ذلك، وكما كان الحال مع بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى، فإن بعض الشكوك الاقتصادية لدى الولايات المتحدة ما هي إلا إسقاطات لمشكلاتها الداخلية. إذ يعتقد ما بين 70 و80 في المائة من الأميركيين أن عدداً كبيراً من الوظائف في الولايات المتحدة قد فُقد لصالح دول أخرى، وفي مقدمتها الصين. وهذا ليس بالأمر المفاجئ، بالنظر إلى اختفاء ما لا يقل عن 5 ملايين وظيفة في قطاع التصنيع منذ العام 2000. ومثل بريطانيا من قبلها، لم تستثمر الولايات المتحدة بما يكفي في تدريب عمالها على المهارات أو في مساعدتهم على الانتقال إلى أنواع جديدة من الوظائف. والنتيجة هي استياء عميق بين كثير من المواطنين الذين يعانون من ركود الأجور، وعدم الحصول على تأمين صحي مناسب وإجازات مرضية مدفوعة الأجر وخطط تقاعد. ومن الأسهل لوم قوى أجنبية على وضعهم المالي الهش بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية في الداخل.

ويُعد ارتفاع مستوى عدم المساواة داخلياً من أبرز نقاط الضعف في موقع الولايات المتحدة اليوم. لقد واجهت بريطانيا المشكلة نفسها في مطلع القرن العشرين، ولا شك في أن ذلك أسهم في تعزيز الشعور بالضعف والعجز في ما يتعلق بالحفاظ على موقع البلاد المتميز عالمياً. ففي العام 1910، كان أغنى 5 في المائة من سكان بريطانيا يملكون ما يقارب 90 في المائة من ثروة البلاد. أما في الولايات المتحدة اليوم، فإن الـ5 في المائة الأغنى يمتلكون نحو ثلثي ثروة البلاد، وهذه النسبة في تزايد.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تواجه تزايداً في عدم المساواة، فإن التداعيات الاجتماعية والسياسية فيها أشد وطأة نظراً للوضع الاقتصادي الأفضل الذي اعتاده العديد من العمال الأميركيين. وليس من المستغرب أن يعتقد كثير من المواطنين أن النخب المحلية تتآمر مع قوى أجنبية لملء جيوبها ودعم نظام اقتصادي دولي مجحف بحق العمال الأميركيين.

الوجه الآخر للمعجزة الصينية

يتجه جزء كبير من هذا الاستياء الاقتصادي نحو الصين، نظراً لنموها المذهل والأساليب التي اتبعتها لتحقيق هذا النمو. كما أنه من الأسهل توجيه الانتقادات إلى دولة أجنبية ذات نظام سياسي مختلف تماماً. ولكن على الرغم من أن جزءاً كبيراً من اللوم الموجه إلى الصين قد يكون مبالغاً فيه، فإن سيطرتها على سلاسل الإمداد العالمية تشكل تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة. وفي الواقع، يمكن تشبيه هذه الديناميكية بالمواقف البريطانية والفرنسية تجاه ألمانيا قبل العام 1914، على الرغم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 8 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 12 ساعة
خبرني منذ 8 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 12 ساعة
خبرني منذ 9 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 9 ساعات
خبرني منذ 16 ساعة
قناة المملكة منذ 20 ساعة
خبرني منذ 17 ساعة