من انقلاب 1953 إلى هدنة 2026: التسلسل الكامل للحرب على إيران وتطور الصراع حتى اليوم

لم تبدأ المواجهة مع إيران بصاروخ عابر ولا بضربة جوية مفاجئة. البداية الفعلية كانت أقدم من ذلك بكثير، حين دخلت المصالح الدولية إلى قلب السياسة الإيرانية، ثم تراكمت الأزمات عبر عقود طويلة حتى تحوّل الصراع من توتر سياسي واستخباراتي إلى ضربات مباشرة هزت المنطقة كلها. واليوم، في 18 أبريل 2026، لا يبدو المشهد سلاما كاملا ولا حربا منتهية، بل هدنة شديدة الهشاشة فوق أرض مشتعلة.

المنعطف الأول في علاقة إيران بالغرب يعود إلى أغسطس 1953، عندما أطيح برئيس الوزراء محمد مصدق بعد أزمة تأميم النفط. تؤكد بريتانيكا أن الانقلاب تم بتمويل ودعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، وأدى إلى إسقاط مصدق وإعادة تثبيت الشاه محمد رضا بهلوي في الحكم. كما أوردت رويترز في تسلسلها التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية أن وكالة الاستخبارات المركزية ساعدت في الإطاحة بمصدق وإعادة الشاه إلى السلطة. هذا الحدث لم يكن مجرد تغيير سياسي عابر، بل أصبح في الذاكرة الإيرانية عنوانا لتدخل خارجي مباشر في السيادة الوطنية، وهو ما يفسر لماذا تنظر طهران إلى كثير من التطورات اللاحقة باعتبارها امتدادا لذلك المسار.

بعد أكثر من ربع قرن على الانقلاب، انفجرت الثورة الإيرانية سنة 1979 وأسقطت نظام الشاه. توضح بريتانيكا أن الثورة أنهت الملكية وأقامت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، كما قادت إلى تصاعد خطاب معاد للنفوذ الغربي، وخاصة الأمريكي. وبعد ذلك بفترة وجيزة، شهدت طهران أزمة السفارة الأمريكية، حين تم احتجاز دبلوماسيين أمريكيين لأكثر من عام. وتذكر بريتانيكا أن 66 أمريكيا احتُجزوا في البداية، وظل 52 منهم رهائن لأكثر من سنة، فيما تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن القيود والعقوبات الأمريكية على إيران بدأت منذ 1979 بعد الاستيلاء على السفارة. بهذه اللحظة انتقل التوتر من خلفية سياسية تاريخية إلى عداء رسمي ومفتوح بين الدولة الإيرانية الجديدة وواشنطن.

في 22 سبتمبر 1980 بدأ الغزو العراقي لإيران، لتندلع واحدة من أطول وأعنف حروب الشرق الأوسط الحديث. بريتانيكا تؤكد أن الحرب استمرت من 1980 إلى 1988، وأن تقديرات الخسائر البشرية وصلت إلى نحو مليون قتيل أو أكثر، مع دمار واسع وإرث ثقيل على الجانبين. هذه الحرب صنعت تحولا عميقا داخل إيران، إذ خرجت منها الدولة أكثر اعتمادا على الصواريخ، وعلى الحرس الثوري، وعلى مفهوم الردع غير التقليدي. لم تعد طهران بعد تلك الحرب تفكر فقط في حماية حدودها، بل بدأت تبني عقيدة أمنية تعتبر أن الدفاع عن إيران يبدأ خارج حدودها أيضا.

بعد انتهاء الحرب مع العراق، لم تدخل إيران في مواجهة عسكرية شاملة مع الولايات المتحدة، لكن الصراع استمر عبر العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية. وتشير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة فرضت قيودا على الأنشطة المرتبطة بإيران تحت سلطات قانونية مختلفة منذ 1979، ثم توسعت هذه القيود عبر السنوات. معنى ذلك أن ما سُمّي لاحقا الحرب على إيران لم يكن دائما حربا بالصواريخ والطائرات، بل كان في مراحل طويلة حرب استنزاف بالعزل المالي، والقيود التجارية، والضغط الدبلوماسي. هذا الشكل من الصراع أضعف الاقتصاد الإيراني، لكنه في الوقت نفسه دفع طهران إلى تطوير أدوات التفاف وصمود، وجعلها أكثر ارتباطا بأوراق النفوذ الإقليمي.

مع مطلع الألفية، دخل الصراع مرحلة جديدة عنوانها البرنامج النووي الإيراني. الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعرض في تسلسلها الزمني الرسمي أن ملف إيران النووي ظل محور تقارير وقرارات ومفاوضات متواصلة، وأنه تحول إلى قضية مركزية في منظومة عدم الانتشار النووي. وفي 14 يوليو 2015 تم التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف بـJCPOA بين إيران والقوى الكبرى، ثم أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في يناير 2016 يوم التنفيذ بعد التحقق من الإجراءات النووية الإيرانية المطلوبة، وهو ما أدى إلى رفع جزء مهم من العقوبات النووية. كان ذلك أهم انفراج بين إيران والغرب منذ عقود، لكنه لم يصمد طويلا.

في 2018 انهار المسار التفاوضي عمليا بعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات. ويُظهر التسلسل الزمني للعقوبات الأمريكية أن العقوبات التي رُفعت بموجب الاتفاق أعيد فرضها بعد الانسحاب، لتعود سياسة الضغط الأقصى إلى الواجهة. هذا القرار غيّر مسار الأزمة بالكامل، لأن إيران لم تعد ترى في التفاهم النووي ضمانة حقيقية، بينما اعتبرت واشنطن أن التشدد هو الطريق الوحيد لإجبار طهران على تقديم تنازلات أوسع. منذ تلك اللحظة، لم يعد الملف النووي وحده محور الخلاف، بل اتسع النزاع ليشمل النفوذ الإقليمي، والصواريخ، وطرق تصدير النفط، وشبكات الحلفاء في المنطقة.

في يناير 2020 نفذت الولايات المتحدة ضربة جوية قرب مطار بغداد أدت إلى مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. رويترز وثّقت الحدث بوصفه محطة مفصلية في العلاقة بين واشنطن وطهران، كما أكدت أن إيران ردت في 8 يناير 2020 بإطلاق صواريخ على قواعد في العراق تضم قوات أمريكية. هذا التطور كان بالغ الأهمية لأنه نقل الصراع من العقوبات والضغوط إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وإن كانت محدودة. منذ تلك اللحظة، صار احتمال الانزلاق إلى حرب أوسع أمرا مطروحا بجدية، حتى إن لم تقع الحرب الشاملة فعلا في تلك السنة.

بين 2020 و2023 بقيت المنطقة في قلب حرب ظل معقدة. لم تكن هناك حرب معلنة بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، لكن التوتر ظل يتصاعد عبر ضربات محدودة، وهجمات منسوبة، وحروب بحرية وسيبرانية، وعمليات اغتيال واستهداف متبادل. رويترز وصفت هذا المسار في 2024 بأنه عقود من حرب الظل سبقت الانتقال إلى المواجهة المفتوحة. ويعني ذلك أن ما حدث لاحقا لم يكن انفجارا مفاجئا من فراغ، بل نتيجة تراكم طويل لسنوات من الاشتباك غير المباشر الذي كان يتوسع خطوة خطوة.

التحول الأكبر وقع في أبريل 2024. رويترز وصفت تلك اللحظة بأنها انتقال من حرب الظل إلى حرب مفتوحة بين إيران وإسرائيل، بعدما شنت طهران هجوما مباشرا واسع النطاق بالطائرات المسيّرة والصواريخ على إسرائيل، في أول هجوم إيراني مباشر بهذا الحجم على الأراضي الإسرائيلية. وبعد أيام، تحدثت رويترز عن رد إسرائيلي محسوب داخل إيران، ضمن جهود إقليمية ودولية لاحتواء التصعيد. ثم عاد التوتر ليتصاعد في أكتوبر 2024، حين أطلقت إيران أكثر من 180 صاروخا على إسرائيل في هجوم وصفته رويترز بأنه أكثر تعقيدا واتساعا من هجوم أبريل، قبل أن تعلن إسرائيل في 26 أكتوبر 2024 تنفيذ ضربات على أهداف عسكرية مرتبطة بالصواريخ داخل إيران. بهذه المرحلة، انتهى فعليا زمن الفصل الواضح بين الحرب غير المباشرة و الحرب المباشرة .

في 13 يونيو 2025 دخل الصراع مستوى أخطر بكثير. رويترز أفادت بأن إسرائيل استهدفت منشآت نووية وعسكرية داخل إيران، وقتلت عددا من كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين، فيما أكدت إيران سقوط قادة بارزين وستة علماء نوويين على الأقل. كما ذكرت رويترز أن إيران ردت في الليلة نفسها بهجمات صاروخية على إسرائيل، بينما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تسلسلها الزمني استمرار متابعتها للتطورات المتعلقة بإيران بعد قرار مهم لمجلس المحافظين في يونيو 2025. هذا التبادل لم يعد مجرد رسالة ردع، بل بدا كأنه مواجهة جوية وصاروخية واسعة بكل معنى الكلمة، رفعت المنطقة إلى حافة اشتعال أوسع.

بحسب رويترز، فإن الصراع الذي بدأ مع الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026 أدى إلى تعطيل الملاحة وإغلاق فعلي لمضيق هرمز لفترة، قبل أن تعلن طهران في 17 أبريل 2026 أن المضيق بات مفتوحا أمام السفن التجارية. كما أكدت رويترز أن الولايات المتحدة أبقت في الوقت نفسه حصارا بحريا وضغوطا تفاوضية على إيران، وأن هناك حديثا عن اتفاق أولي وتقدم محدود في مسار التهدئة، لكن القضايا الجوهرية، وعلى رأسها البرنامج النووي والعقوبات والترتيبات الأمنية، لم تُحسم بعد. بعبارة أوضح، وصلت الحرب على إيران إلى أخطر نقطة لها منذ عقود، ثم دخلت مرحلة تهدئة مؤقتة لا تزال قابلة للانهيار في أي لحظة.

التوصيف الأدق هو أن إيران واجهت عبر العقود أنماطا متتالية من الصراع. البداية كانت تدخلا سياسيا في 1953. ثم جاءت القطيعة الثورية بعد 1979. بعد ذلك دخلت إيران حربا إقليمية كبرى مع العراق. ثم عاشت مرحلة احتواء وعقوبات وملف نووي وصدام استخباراتي طويل. وأخيرا انتقل النزاع في 2024 و2025 و2026 إلى ضربات مباشرة واسعة. لهذا فإن عبارة الحرب على إيران تصح كعنوان عام لمسار تاريخي طويل، لكنها لا تعني أن المنطقة عاشت حربا تقليدية واحدة متصلة من البداية إلى اليوم. الوقائع نفسها تقول إن الصراع تبدلت أدواته وأشكاله مرات عديدة، لكنه بقي مستمرا في الجوهر.

حتى 18 أبريل 2026 لا يمكن تأكيد نهاية نهائية للصراع. المؤكد فقط، وفق رويترز، أن هناك هدنة ومسارا تفاوضيا ناشئا، مع إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، لكن تحت شروط وضغوط وتوازنات عسكرية وسياسية معقدة. وهذا يعني أن المنطقة لا تزال تتحرك بين احتمالين: تثبيت تهدئة مؤقتة تمنع الانفجار الكبير، أو العودة السريعة إلى التصعيد إذا فشلت المفاوضات أو وقع خطأ عسكري جديد. لذلك فإن الحديث عن ما بعد الحرب سابق لأوانه، أما الحديث عن أخطر مرحلة في تاريخ الصراع الحديث مع إيران فهو توصيف تدعمه الوقائع الأخيرة بوضوح.

ما يجري مع إيران ليس حدثا منفصلا عن الماضي، بل نتيجة تراكم تاريخي امتد من انقلاب، إلى ثورة، إلى حرب، إلى حصار، إلى أزمة نووية، إلى اغتيالات، إلى صواريخ مباشرة. وبين أول تدخل في 1953 وآخر هدنة في أبريل 2026، تتشكل قصة صراع طويل لم يتوقف فعلا، بل كان يغيّر وجهه فقط. اليوم، قد تكون المدافع أكثر هدوءا مما كانت عليه قبل أسابيع، لكن جذور الأزمة لا تزال في مكانها، وهذا ما يجعل أي هدنة مجرد استراحة قصيرة داخل نزاع لم يقل كلمته الأخيرة بعد.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
جريدة أكادير24 منذ ساعة
أحداث الداخلة منذ 8 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 13 ساعة
Le12.ma منذ 9 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ ساعة