حين تَسْتعيرُ القَسْوةُ ملامِحَ الوَقار
أيُّ عقلٍ هذا الذي لا يكتفي بارتكاب الفجيعة، وإنما يجهد أيضًا في تبريرها وصياغتها في صورة تبدو معقولة ومشروعة؟ وأين يقيم العنف الأشدّ حقًّا: في المشهد الصريح الذي تصدمنا قسوته، أم في اللغة القانونية الدقيقة التي ترتّب القسوة، وتخفيها تحت انضباط المصطلحات وصلابة الإجراءات؟ ومتى يكفّ القانون عن حماية الإنسان، ويبدأ في تنظيم إقصائه ومنح هذا الإقصاء هيئة الشرعية؟ وكيف تحوّل البيروقراطية لوائحها وترتيباتها وتقنيات ضبطها إلى سلاح فعلي لا يقلّ فتكًا عن العنف المباشر؟ ثم من علّم العنف أن يتخفّى وراء لغة نظيفة، وأن يقدّم نفسه بوصفه نظامًا عقلانيًا، لا بوصفه جريمة؟ أليست المأساة الأعمق هي أن القسوة لا تكتفي بالفعل، بقدر ما تسعى أيضًا إلى تهذيبه، حين تمنحه اسمًا مشروعًا، وتدفعه إلى الظهور في هيئة نظام لا في هيئة جُرح؟
كيف تكتب الوحشيةُ سِيرَتها؟
أشيل مبيمبي Achille Mbembe مفكّر ومؤرّخ كاميروني، يُعدّ من أبرز منظّري ما بعد الاستعمار في الفكر المعاصر. تتركّز أعماله على نقد السلطة الحديثة، والعنصرية، وحدود السيادة. اشتهر عالميًا بمفهوم “النيكروسياسة (سياسات الموت)” Nécropolitique بوصفه إطارًا نقديًّا يتناول السيادة باعتبارها قدرةَ السّلطة على الحسم في مسألة الحياة والموت، من خلال القرار السياسي وآليات الإدارة اليومية للمخاطر. تُنتج السلطة الموتَ بالقتل المباشر، كما تُنتجه عبر سياسات تفرض هشاشة مزمنة، مثل الحصار، والتجويع، والإفقار، والعنف، والسجون، والمخيمات، وتحويل الحدود إلى أدوات فرز، فضلًا عن حرمان الناس من العلاج، والسكن، والتنقّل، والعمل. صاغ أشيل مبيمبي هذا المفهوم ليبرزَ النيكرُوسياسة بوصفها تدبيرًا للموت والإقصاء والإبادة البطيئة ضمن منطق أمني واقتصادي واستعماري. يبني أشيل مبيمبي في كتابه “الوحشية Brutalisme” تشخيصًا لعصرٍ صار فيه “الهدم” نموذجَ تشغيل عالمي؛ لذلك، يستعير هذا المفهوم من العمارة الخشنة ذات الكتلة الصّلبة ليقرأ السّياسة والاقتصاد والتّكنولوجيا بوصفها كتلة واحدة: تصعيدٌ تقنيّ، ورأسمالية جامحة، وأزمات بيئية وهجرات قسرية، مع استمرار خيالٍ كولونياليّ يعيد إنتاج الحدود والفرز ومن يحقّ له النجاة في عالم يراكم “الظلال” والنفايات، ويحتاج إلى إعادة تأسيس قواعد الحكامة الأخلاقية. بهذا المعنى، ليست الوحشية عند أشيل مبيمبي، نوبةً بدائية ولا قسوةً عارية؛ إنها هندسة عقلانية للعنف.
كيفَ نُعيد إنتاجَ النّظام الذي يَسْحَقُنا
عند قراءتي هذه الدراسة، شعرتُ بأنني أضع يدي على مفاتيح غرفة التحكّم في زمننا. لا يصف مبيمبي الوحشية من الخارج، ذلك أنه يكشف جهازها الداخلي ويفكّك طريقة عملها: كيف تُهذّب السلطةُ اللغةَ حتى تُظهر القسوة في صورة “تدبير”، وكيف ترتّب قراراتها بحيث تمنح الإقصاء هيئة “الإجراء” العادي، وكيف تُدخل الإنسان في منطق إداريّ لا يعتبره كائنًا حيًّا، وإنما ملفًّا يخضع للتَّقييم. هكذا لا تبدو الوحشية نظامًا منضبطًا يتقن إخفاء عنفه خلف لغةٍ نظيفة وإجراءاتٍ تبدو في ظاهرها محايدة. ما شدّني أكثر أن الدراسة لا تترك للقارئ رفاهية البرَاءة؛ لذلك دفعتني لأتساءل: كم مرة مرّ الموت أمامي على هيئة خبرٍ عابر؟ هكذا، لا تحتاج الوحشية الحديثة إلى صراخ ولا إلى مشاهد دموية فاضحة؛ فهي تمارس فعلها بهدوءٍ أنيق وبرودةٍ محسوبة. تستبدل السكين بلغة القانون، وتتحرّك تحت لافتات الأمن والنظام والمصلحة العامة. تخفّف وقع القسوة بتعابير محايدة، ثم تعيد صياغة الألم في هيئة ملفّ، والجرح في هيئة تقرير، والدم في هيئة أرقام، والضحايا في هيئة «حالات» قابلة للأرشفة. هنا تكمن خطورتها: لأنها تبدو وظيفةً تُنجَز بإتقان… ويتمّ تصديقها لأنها ممْهُورة بتوقيع وخَتْم.
لا يتمّ اختزال الوحشية في لحظة إطلاق الرصاصة، ذلك انها تتكوّن قبلها في المسافة الزّمنية التي تصنعها السُّلطة: انتظارٌ طويل يربّي اليأس ويعوّد الجسد على التنازل. هنا يمارس الزمن دورًا مباشرًا في العنف: يُنهك الإنسان، ويؤجّل الحسم، ويستنزف طاقته خطوةً بعد خطوة، حتى يدفعه إلى الاستسلام ويجعله يبدو وكأنه النتيجة الطبيعية لكل هذا الضغط المتراكم. وفي هذا السياق، يوضح مبيمبي أن الاستعمار لم ينسحب من التاريخ، بل غيّر أدواته، وجدّد صِيَغه، وأعاد ترسيخ منطقه داخل أشكال جديدة من السيطرة أكثر قدرة على التخفّي وأشد إحكامًا في إدارة الإخضاع.
لذلك لم يعد في حاجة إلى أدوات القهر المباشرة، لأن اقتصادًا يَعِد ثم يتراجع، وحدودًا تشتغل بمنطق الأبواب الدوّارة، يكفيان لإعادة إنتاج الأثر نفسه: فتحٌ مؤقت يعقبه إغلاق، وأملٌ يُمنح على نحو يمهّد لمصادرته. كما يستند هذا المنطق إلى خطاب إنسانيٍّ ناعم يدين العنف على المستوى المعلن، لكنه يواصل إنتاجه عبر أدوات أكثر انضباطًا وأشدّ فاعلية، مثل القوانين والتصنيفات ومعايير الأهلية والقرارات الباردة. ومن ثمّ، لا يقتصر الاستهداف على فئة محددة، ذلك أنه يمتدّ إلى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
