تبدو روايات التحوّل والغرابة مفارقةً عنيفةً للواقع، وفرارًا لا بديل عنه من الحياة الضيقة إلى رحاب الفانتازيا، بينما لو تأملنا هذه الروايات بعمق، لوجدناها محاولةً لخلق مسافةٍ أوسع مع الواقع، ثم العودة من جديد لتأمل أسئلته الصعبة؛ أى إننا ننفصل عنه بحدّة، لنعود إليه بعمق، وبمزيدٍ من التأمل الخلّاق.
أمثلة كثيرة لهذه الأعمال المدهشة، منها «التحوّل» لكافكا، حيث يجسد انتقال بطلنا إلى حشرة معانى المهانة والاغتراب، ومثل «دكتور جيكل ومستر هايد» لستيفنسون، حيث ينعكس الخير والشر على مرآة الجسد، ومثل «الحالة الغريبة لبنجامين بوتون» لفيتزجيرالد، حيث تتحقق أمنية الزمن العكسى، ومثل روايات «الثدى» لفيليب روث، و«الأنف» لجوجول، حيث تتضخم معالم جزء من الجسد، فنعيد قراءة واقع الشخصية، وأزماتها النفسية والعاطفية والفكرية.
ورواية محمد عبد النبى الصادرة عن دار المحروسة بعنوان «شىء إلهى» تستخدم أيضًا ببراعة ثنائية الغرابة والتحوّل، لكى تطرح أسئلة حياة بطلنا سلامة، وواقعنا كبشر؛ فليست الغرابة (أو المعجزة) مقصودةً لذاتها، ولا هى لعبة مجانية ظريفة، ولكنها «المعادل الفنى» لتلك المسافة المطلوبة، التى تعيدنا من جديد لتأمل حياة بطلنا البائس والمهمش، وتأمل حياة الإنسان عمومًا، وقد نجح عبد النبى فى تحقيق ذلك نجاحًا باهرًا.
أولى خطوات النجاح هى إتقان بناء شخصية سلامة، الذى استيقظ ذات يوم، فوجد بطنه منتفخة، وفسيولوجيا جسده تتغير فى اتجاه يؤكد أنه حامل فى جنين، أطلق عليه اسم «شىء»، أى إننا أمام رجل وافر الرجولة يتحوّل إلى أنثى حامل فى ثلاثة شهور، بل إن هذا «الشىء» يتحدث معه بغير لسان أو لغة، وبطريقةٍ أقرب إلى التخاطر.
رُسمت شخصية سلامة الواقعية بمنتهى الدقة، بل يمكن قراءة الرواية كلها باعتبارها دراسةً اجتماعيةً ونفسيةً لرجل فقير وحيد غير متزوج فى منطقة شعبية هى باب الشعرية؛ يصفونه بالبلاهة، بالكاد التحق بوظيفة عامل نظافة فى أحد البنوك، وصل إلى سن الأربعين دون طموح أو أحلام، وعليه الآن أن يتعامل مع «شىء» فى بطنه، سيفتح له أبواب العالم، وكذلك أبواب أسئلة ماضيه كله.
ملف تفصيلى عن حياة السيد سلامة منذ مولده، يؤكد لنا أن حالته الغريبة هى أيضًا حيلة فنية لقراءة حياة شخص عادى بالعمق، وأن الشىء الذى اقتحم حياته سيكون سببًا فى مواجهته لذاته، والخروج من عالمه الضيق المحدود؛ فالشىء هو نقيض تلك العادية، إنه الغريب والاستثنائى، بل هو المعجزة الخارقة، فلسنا هنا أمام سيدة تحمل دون أن يمسسها رجل، ولكننا أمام رجل يحمل دون أى تجارب طبيعية للتواصل الجنسى المعروف!
ثانى خطوات نجاح المعالجة هى التعامل الواقعى مع هذا الحدث الاستثنائى، أى إن بطلنا سيأخذ خطوات تدريجية فى التعامل مع هذا الشىء، وفى محاولة تفسير ما يشعر به من تغيّرات فسيولوجية تكاد تصف أحوال المرأة الحامل، ليصل سلامة أخيرًا إلى مركز «حياة سعيدة» لأطفال.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
