في عام 2008، أطلقت استوديوهات بيكسار فيلمًا كرتونيًا بدا للوهلة الأولى قصة ساذجة عن روبوت وحيد يكوم نفايات الأرض المهجورة. غير أن «وول-إي» كان في حقيقته نبوءة فنية محكمة الصياغة، رسمت بدقة مذهلة ملامح مستقبل لم يكن آنذاك سوى احتمال بعيد. اليوم، وبعد ما يزيد على عقد ونصف، لم يعد ذلك المستقبل خيالًا؛ فمشاهد السفينة الفضائية «أكسيوم» التي حولت البشر إلى كتل بشرية طافية، مستلقية على كراسي متحركة، لا تنظر إلا إلى شاشاتها، باتت تشبه ما يجري في المقاهي والمطارات والغرف المضاءة بضوء الهواتف أكثر مما تشبه الخيال العلمي.
لم تكن رسالة الفيلم مجرد هجاء على الاستهلاك المفرط، بل كانت تشخيصًا حضاريًا لما يحدث حين تتنازل الإنسانية عن إرادتها لصالح الراحة المطلقة. وهذا بالضبط ما تكشفه بيانات الصحة العالمية، ودراسات علم الاجتماع، ومؤشرات التواصل البشري، وهي تسجل بأرقام صارمة ما رسمه المخرج أندرو ستانتون بالتحريك الرقمي.
خلق الله الجسد الإنساني ليتحرك. صاغه من عضلات وأوتار وعظام في تناسق هندسي بالغ الدقة، وجعل الحركة شرطًا لاستمرار صحته لا مجرد ترف اختياري. يقول ابن القيم الجوزية في «زاد المعاد» إن الرياضة والحركة يذيبان الفضلات التي تعجز عنها الطبيعة، وينبهان القوى الخاملة. أما في عصرنا، فقد أعلنت الحركة عدوًا للراحة، والراحة ضرورة وجودية.
تقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 23% من البالغين في العالم لا يمارسون قدرًا كافيًا من النشاط البدني، فيما تتجاوز نسبة البدانة عالميًا ما كانت عليه قبل ثلاثة عقود بأكثر من ثلاثة أضعاف. لكن هذه الأرقام الجافة لا تحكي القصة كاملة؛ فالحكاية الحقيقية هي في تغير طبيعة اليوم الإنساني ذاته. فمن الاستيقاظ صباحًا، إلى الذهاب للعمل، وصولًا إلى النوم ليلًا، بات الإنسان المعاصر ينتقل من سطح مستو إلى سطح مستو آخر: من الفراش إلى كرسي المائدة، إلى مقعد السيارة، إلى كرسي المكتب، إلى أريكة الصالة، فعودة إلى الفراش. الجسد في هذه الحلقة المفرغة ليس إلا حاملًا عضويًا للدماغ المتفاعل مع الشاشات.
والمفارقة أن هذا الإهمال لم يأت من الكسل البسيط، بل من منظومة اقتصادية مصممة بعناية لجعل الحركة غير ضرورية. خدمات التوصيل التي تحضر الطعام والملبس والدواء، والمصاعد التي تغني عن الدرج، والسيارات الذاتية القادمة التي ستغني عن قيادة السيارة ذاتها، ومنصات العمل عن بعد التي ألغت الحاجة حتى إلى مغادرة المنزل. إن حضارتنا تعيد بناء الحياة اليومية وفق مبدأ واحد: أقصى فائدة بأدنى جهد جسدي ممكن.
في سفينة «أكسيوم»، يجلس البشر جنبًا إلى جنب دون أن ينظر أحدهم إلى الآخر؛ كل واحد منغمس في شاشته الشخصية العائمة أمامه، يجري محادثات افتراضية مع أشخاص ربما يجلسون في المقعد التالي. ولا يحدث التواصل الحقيقي بينهم إلا حين تنهار الشاشات فجأةً فيكتشفون وجود بعضهم. هذا المشهد الكرتوني الساخر ليس مبالغة؛ إنه مشهد يعاد تصويره كل يوم في مطاعمنا وغرف جلوسنا وحتى في أسرة نومنا.
وثق باحثو جامعة ميشيغان ظاهرة سموها الوحدة رغم التواصل، إذ تظهر الدراسات أن معدلات الشعور بالوحدة والعزلة ارتفعت في العقدين الماضيين بصورة لافتة تحديدًا مع تصاعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. الإنسان المعاصر لديه مئات الأصدقاء الرقميين وربما لا يعرف اسم جاره. يعبر عن مشاعره بوجه تعبيري صغير ولا يحسن البكاء أمام آخر. يكتب رسالة حب طويلة ولا يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة وجهًا لوجه.
ما يحدث هو استبدال تدريجي للتواصل الإنساني الحقيقي بمحاكاة رقمية له. والفارق بين الأمرين كالفارق بين الشمس والمصباح: كلتاهما تضيء، لكن إحداهما تحيي وتدفئ وتنضج، بينما تقدم الأخرى ضوءًا باردًا لا يصل إلى العظام. الخطر الحقيقي ليس أننا نتحدث أقل، بل إننا فقدنا القدرة على تحمل صمت الآخر، وتعابير وجهه، وحضوره الكامل بكل ما فيه من تعقيد وغموض وجمال.
في الفيلم، لا يقرر البشر أي شيء؛ الروبوتات تحضر الطعام، وتختار الملابس، وتحدد المسارات، وتدار السفينة. البشر موجودون لكنهم لا يديرون شيئًا فعليًا سوى إبداء رغباتهم الفورية. والمثير للرعب أنهم راضون تمامًا. لقد تنازلوا عن السيادة الفردية دون أن يشعروا بأنهم تنازلوا عن شيء ذي قيمة.
اليوم، نفوض بصورة متصاعدة قراراتنا للخوارزميات؛ ماذا نأكل تقترحه منصة التوصيل، وماذا نشاهد يقرره محرك التوصيات،، وأين نذهب ترشدنا إليه خرائط رقمية، وكيف نشعر تشكله موجة من المحتوى لم نخترها بالمعنى الحقيقي للاختيار. نحن نحسب أننا نختار بينما نحن في الغالب نصادق على ما اختارته لنا الخوارزمية مسبقًا.
الأعمق من ذلك هو ما يحدث للإرادة ذاتها حين يعفى صاحبها من ممارستها. الإرادة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
