أ. د. بني هاني يكتب عن السباق إلى القاع.. تأملات فلسفية في انحدار الإنسان حين يتنافس على البقاء

أ. د. بني هاني يكتب عن السباق إلى القاع.. تأملات فلسفية في انحدار الإنسان حين يتنافس على البقاء جو 24 :

كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني -

ليست كل الدول التي تعاني من الأزمات تُصاب بالانهيار ذاته؛ فبعضها ينهار مادياً فقط، بينما ينهار بعضها الآخر وجودياً. وفي هذا النوع الأخير، لا يكون التدهور مجرد عجز في الموارد أو اختلال في السياسات، بل يتحول إلى منطق شامل يحكم العلاقات، ويعيد تشكيل الوعي، ويعيد تعريف معنى الحياة ذاتها. وهنا، يظهر ما يمكن أن نسميته السباق إلى القاع (Race to the Bottom)، بوصفه ظاهرة تتجاوز الاقتصاد إلى الفلسفة، وإلى طبيعة الإنسان حين يُوضع تحت ضغط دائم يجعله يتخلى تدريجياً عن كل ما كان يعتقد أنه لا يُساوَم عليه. وفي هذا السياق، لا يتنافس الناس على تحقيق الأفضل، بل على تفادي الأسوأ. تتغير بنية الحوافز بشكل جذري، وفيها لم يعد الهدف هو التقدم، بل مجرد النجاة. وهذا التحول ليس بسيطاً، لأنه يعيد تعريف القيمة. ففي المجتمعات السليمة، يُكافأ الإبداع، ويُحتفى بالتميز، وتُبنى المكانة على الإنجاز. أما في مجتمعات السباق إلى القاع، فإن القيمة تُمنح لمن يستطيع أن يتحمل أكثر، أن يقبل بأقل، أن يتنازل عن حقوقه دون أن ينهار. ويصبح التكيف مع الانحدار فضيلة، لا مقاومته.

فتطرح هذه المفارقة سؤالاً عميقاً حول طبيعة الكرامة الإنسانية. هل الكرامة صفة ثابتة لا تتغير بتغير الظروف، أم أنها تتآكل تدريجياً حين يُجبر الإنسان على تقديم تنازلات مستمرة؟ في البداية، تكون التنازلات صغيرةن تتمثل في قبول عمل بأجر متدنٍ، والتغاضي عن ظلم بسيط، والصمت أمام تجاوزات يومية. لكن هذه التنازلات، حين تتراكم، تعيد تشكيل الذات. فيصبح الإنسان أقل حساسية للظلم، وأكثر استعداداً لقبوله. لا لأنه يريده، بل لأنه لم يعد يرى بديلاً. وهنا يكمن البعد الأخلاقي الأكثر إشكالية؛ حين يصبح البقاء نفسه مبرراً لكل شيء. وفي ظل هذا المنطق، تُعاد كتابة القيم. ما كان يُعتبر خيانة يصبح ضرورة، وما كان يُعد استغلالاً يصبح فرصة، وما كان يُدان أخلاقياً يصبح ذكاءً. ولا يحدث هذا التحول دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، حتى يجد الإنسان نفسه يعيش في منظومة قيم لا تشبه ما تربى عليه. إنه نوع من الانفصال الداخلي، حيث تستمر الذاكرة الأخلاقية في الإشارة إلى الخطأ، بينما يفرض الواقع سلوكاً مختلفاً.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى السباق إلى القاع باعتباره إعادة توزيع للخوف. ففي المجتمعات المستقرة، يُوزع الخوف بشكل متوازن نسبياً، وتوجد مؤسسات تحدّ من تحوله إلى أداة سيطرة. أما في المجتمعات المنحدرة، فإن الخوف يصبح العملة الأساسية. يخاف العامل من فقدان عمله، فيقبل بشروط مجحفة. ويخاف صاحب العمل من الإفلاس، فيضغط على العامل. ويخاف المواطن من المستقبل، فيتخلى عن حقوقه السياسية. وهكذا، يتحول الخوف إلى شبكة غير مرئية تربط الجميع، وتجعلهم مشاركين، رغماً عنهم، في استمرار الانحدار.

إلا أن الأخطر من الخوف هو التكيف معه. فالإنسان، بطبيعته، كائن قابل للتأقلم، وهذه القدرة التي تُعد مصدر قوة في الظروف الطبيعية، تتحول إلى أداة خطيرة في سياق الانحدار. إذ يبدأ الناس في إعادة تعريف ما هو طبيعي. فما كان يُعتبر استغلالاً يصبح أمراً مألوفاً، وما كان يُعد أزمة يصبح واقعاً. ومع مرور الوقت، يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الوضع السليم والوضع المختل. وهنا، لا يعود القاع مجرد حالة، بل يتحول إلى معيار.

ينعكس هذا التحول في المعايير بوضوح على اللغة. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لإدراك الواقع. وفي مجتمعات السباق إلى القاع، تُستبدل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
خبرني منذ 5 ساعات
قناة المملكة منذ 14 ساعة
قناة رؤيا منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 15 ساعة
قناة المملكة منذ 11 ساعة
قناة المملكة منذ 15 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 8 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 13 ساعة