منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تراجع حضور المؤسسات العراقية في المشهد الإعلامي بشكل لافت، مع غياب شبه كامل للمؤتمرات الصحافية التي تُعد في العادة أداة أساسية لإدارة الأزمات وطمأنة الرأي العام.
وهذا الغياب لم يقتصر على ظرف عابر، بل تكرّس مع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاطر الأمنية داخل البلاد، ما فتح باب التساؤلات بشأن قدرة الدولة على إدارة تدفق المعلومات في أوقات الأزمات، ومدى جاهزية مؤسساتها للتواصل المباشر مع المواطنين.
وبرغم الحاجة المتزايدة للجمهور إلى المعلومات الدقيقة وتفنيد الشائعات التي تنتشر بسرعة في بيئة مضطربة، فضّل مسؤولون في مؤسسات أمنية رئيسية، مثل وزارتي الداخلية والدفاع، إضافة إلى جهازي الأمن الوطني والمخابرات، الاكتفاء بالبيانات المكتوبة أو المقتضبة، مع تجنّب الظهور العلني في مؤتمرات مفتوحة.
اتساع فجوة الثقة
وهذا التوجه، بحسب مراقبين، ساهم في اتساع فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات، خاصة في ظل غياب رواية رسمية متكاملة قادرة على تفسير الأحداث المتسارعة أو تقديم صورة واضحة عن طبيعة التهديدات.
وأُثيرت تساؤلات واسعة بشأن أسباب هذا الغياب، خصوصاً في ظل أزمة أمنية معقّدة شهدت، وفق تقديرات غير رسمية، ما يقارب ألف هجوم داخلي استهدف منشآت ومواقع مختلفة، بين عسكرية واقتصادية وحتى مدنية.
وفي مقابل شحّ المعلومات الرسمية، راجت روايات متعددة حول الجهات المنفذة، وتضاربت التفسيرات بين أطراف داخلية وخارجية، ما عزّز حالة الإرباك لدى الرأي العام، وأضعف قدرة المواطن على التمييز بين الوقائع والشائعات، في بيئة إعلامية مفتوحة على مختلف السرديات.
وفي المقابل، لفتت الأنظار كثافة المؤتمرات الصحافية التي عقدها مسؤولون أمريكيون، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، إلى جانب قيادات أمنية وعسكرية بمستويات مختلفة، حيث جرى تقديم إحاطات دورية للرأي العام حول تطورات الحرب.
وهذا النمط من التواصل، الذي يقوم على الإيضاح المستمر وتقديم المعلومات حتى في ظل التعقيدات، يعكس، بحسب مختصين، اعتماد المؤسسات الأمريكية على المؤتمرات الصحافية كجزء من إدارة الأزمات وبناء الثقة، وليس مجرد أداة إعلامية.
قلق الأسئلة المباشرة
وفي هذا السياق، قال الباحث السياسي والصحافي علي الحبيب إن غياب المؤتمرات الصحافية للمسؤولين الأمنيين في أوقات الأزمات لا يمكن اختزاله بتقصير إداري، بل يرتبط بطبيعة النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003، والقائم على توزيع السلطة بين مؤسسات رسمية وقوى موازية تمتلك نفوذاً وأذرعاً مختلفة .
وأضاف الحبيب لـ عراق أوبزيرفر أن هذا الواقع يجعل بعض المسؤولين غير قادرين أو غير راغبين في مواجهة الأسئلة المباشرة، خشية كشف التباينات الداخلية أو حجم التأثيرات الخارجية ، مبيناً أن الاعتماد على البيانات المكتوبة أو اللجان التحقيقية من دون إعلان نتائج واضحة يعكس محاولة للسيطرة على السردية الإعلامية وتجنّب الإحراج السياسي .
وأوضح أن هذا النمط من الإدارة يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والدولة، ويعزز ثقافة السرية في مقابل غياب الشفافية، ما يجعل بناء الثقة عملية أكثر تعقيداً في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية .
وفي الإطار القانوني، تشير مواثيق دولية، من بينها الأمم المتحدة، إلى أن حق الوصول إلى المعلومات يُعد جزءاً أساسياً من حرية التعبير، كما نصّ عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد حق الأفراد في تلقي المعلومات والأفكار من مصادر مختلفة.
كما تؤكد مبادئ الشفافية والحكم الرشيد على ضرورة إطلاع الجمهور على المعلومات المتعلقة بالأمن والسلامة العامة، بما يعزز الثقة ويحد من انتشار المعلومات المضللة، وهو ما يضع على عاتق الحكومات مسؤولية مضاعفة في إدارة الأزمات عبر التواصل المباشر والواضح مع مواطنيها.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
