في قلب هذا التحول، برز رهان الماء كأحد أعقد التحديات البنيوية التي واجهت البلاد. سبع سنوات من الجفاف المتواصل لم تكن مجرد أزمة ظرفية، بل كشفت هشاشة المنظومة المائية وفرضت تحولا جذريا في طرق التدبير. غير أن المقاربة المعتمدة لم تكتفِ بمنطق التدبير الاستعجالي، بل سعت إلى تحويل الأزمة إلى رافعة استراتيجية، عبر استثمارات غير مسبوقة في السدود وتحلية مياه البحر، بما يعيد رسم معالم الأمن المائي ويمنحه بعدا سياديا وتنمويا في الآن ذاته.
هذا التحول لا يمكن فصله عن تصور أوسع لدولة اجتماعية تسعى إلى تقليص الفوارق المجالية وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الموارد. فحين تصبح تحلية المياه مصدرا رئيسيا لتزويد المواطنين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحل تقني، بل بإعادة توزيع للفرص بين المركز والهامش، وبين المدن والقرى، في أفق بناء مغرب يسير بإيقاع أكثر توازنا.
بالتوازي، لم تعفِ الأزمات الطبيعية المتلاحقة من زلزال الحوز إلى فيضانات الجنوب الشرقي السلطات من مواصلة أوراش البنية التحتية، بل على العكس، تحولت هذه الصدمات إلى محفز لإعادة التفكير في مفهوم الإنصاف المجالي. فإعادة البناء لم تعد مجرد ترميم لما تهدم، بل أصبحت فرصة لإرساء بنية أكثر صمودا واندماجا، قادرة على امتصاص الصدمات المستقبلية.
وفي سياق متصل، يبرز رهان كأس العالم 2030 كأكثر من حدث رياضي عابر؛ إنه مشروع وطني لإعادة هيكلة الفضاء الاقتصادي واللوجستيكي. من توسعة المطارات إلى تحديث الشبكات السككية والموانئ الاستراتيجية، تتشكل دينامية استثمارية كبرى تهدف إلى ربط المغرب بشكل أعمق بسلاسل القيمة العالمية. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إنجاز هذه المشاريع، بل في قدرتها على خلق أثر تنموي مستدام يتجاوز زمن التظاهرة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى التحدي الأكثر إلحاحا متمثلا في معضلة الفساد، التي لا تزال تنخر مسار التنمية وتحد من فعالية السياسات العمومية. فكل إنجاز، مهما كان حجمه، يظل مهددا بالتآكل إذا لم يُصاحب بإرادة صارمة لترسيخ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هكذا، يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق دقيق: بين طموح بناء دولة اجتماعية حديثة، وإكراهات واقع يفرض إصلاحات عميقة ومؤلمة أحيانا. إنها لحظة توازن صعب، حيث لا يكفي الاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل يتطلب الأمر أيضا استثمارا موازيا في الثقة، باعتبارها الرأسمال الحقيقي لأي مشروع تنموي ناجح.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
