لم تعد الهدنة بين واشنطن وطهران كافية لإنقاذ الذهب، فالسوق لا ترى سلاماً، بل ترى نار ارتفاع النفط من جهة، وفائدة أميركية عالية من جهة أخرى، في معركة تكسر إحدى أهم وظائف المعدن النفيس كملاذ آمن.
وبينما كان الذهب تاريخياً المستفيد الأول من الأزمات، يجد نفسه اليوم في موقع دفاعي غير مألوف، تحت ضغط مزدوج من تصاعد أسعار الطاقة وتشدد السياسة النقدية.
وتعثر المعدن النفيس في هضم هدنة تبدو هشة، مغلفة بإشارات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تقترب من شهرها الثاني؛ ما هبط بالأسعار دون مستويات الدعم المهمة عند 4700 دولار للأونصة.
وتراجعت أسعار الذهب وسط تداولات متقلبة اليوم الخميس، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم المخاوف حيال التضخم وبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، في حين ينتظر المستثمرون وضوح مسار مفاوضات السلام بين واشنطن وطهران.
النفط يسعر حرب الاستنزاف والنفس الطويل.. من يكسر حصار «هرمز» أولاً؟
سعر الذهب اليوم
هبط سعر الذهب في المعاملات الفورية 0.85% إلى 4696.09 دولار للأونصة، بحلول الساعة الـ4:00 بتوقيت غرينتش.
تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم يونيو 0.9%، أو أكثر من 40 دولاراً في الأونصة، إلى 4710.10 دولار.
تزامن الهبوط اليوم مع قفزة أسعار النفط إلى أعلى مستوى في أكثر من أسبوعين، واقتراب خام برنت من مستويات 110 دولارات.
أمس الأربعاء، ارتفعت أسعار الذهب أكثر من 33 دولاراً لتعوض بعض الخسائر التي تكبدتها خلال جلستي الاثنين والثلاثاء.
منذ اندلاع حرب إيران في الـ28 من فبراير الماضي، فقدت الأونصة أكثر من 520 دولاراً، بعدما سجلت نحو 15 رقماً قياسياً هذا العام.
لا يعكس هذا التراجع ضعف الطلب فقط، بل إعادة تسعير كاملة لوظيفة الذهب في النظام المالي الحالي، حيث لم تعد المخاطر الجيوسياسية وحدها كافية لدفعه للصعود، في ظل بقاء الفائدة مرتفعة كعامل جذب بديل.
الذهب يقفز فوق هدنة هشة.. الأسعار على حافة حرب لم تنتهِ
عودة النفط
قال كبير محللي السوق لدى «كيه.سي.إم تريد» تيم ووترر: «عودة سعر نفط برنت إلى فوق 100 دولار يبقي مخاوف التضخم في الصدارة، ويضع الذهب في موقف دفاعي».
وأضاف ووترر في مذكرة للعملاء: «يمكن أن يؤجج ارتفاع أسعار النفط التضخم من خلال رفع تكاليف النقل والإنتاج؛ ما يزيد احتمالية رفع أسعار الفائدة».
في حين يعد الذهب وسيلة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل الأصول المدرة للعوائد أكثر جاذبية؛ ما يضعف الإقبال على المعدن النفيس.
ولا يضغط ارتفاع النفط على الذهب مباشرة فقط، بل يعيد إشعال سيناريو التضخم العالمي؛ ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة: إما الإبقاء على التشديد النقدي، أو المخاطرة بعودة موجة أسعار جديدة، وكلا الخيارين سلبيٌّ للذهب على المدى القصير.
الذهب يترقب ساعات مصيرية.. بين حربي إيران والفائدة
تضارب مربك
قال ووترر: «يشعر المستثمرون بالقلق من أن الوضع الراهن المتمثل في وقف إطلاق النار مع استمرار الحصار، قد يستمر لأشهر؛ ما يحوّل الارتفاع قصير الأجل إلى عامل تضخم طويل الأجل، وهو ما سيضر بالذهب من منظور العائد».
واحتجزت إيران سفينتين في مضيق هرمز أمس، لتشدد قبضتها على الممر المائي الإستراتيجي، بعد ما مدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى دون مؤشر على استئناف محادثات السلام.
وأبقى ترامب على الحصار المفروض من البحرية الأميركية على التجارة الإيرانية عبر البحر، وقال رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف: إن وقف إطلاق النار الكامل لا معنى له إلا برفع الحصار.
ورشة لتصنيع المشغولات الذهبية في شارع الصاغة بالعاصمة المصرية القاهرة، 14 يناير 2024.
توقعات الفائدة
ترجح سوق العقود الآجلة أن ينتظر مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» ستة أشهر على الأقل قبل أي خفض لأسعار الفائدة هذا العام، إذ تزيد صدمات الطاقة الناجمة عن الحرب التضخم المرتفع بالفعل.
ويتوقع المتعاملون الآن بنسبة 23% خفض أسعار الفائدة 25 نقطة أساس في ديسمبر، مقارنة مع 28% قبل أسبوع، وقبل الحرب كانت هناك توقعات بخفض الفائدة مرتين هذا العام.
وقال المرشح لرئاسة الفيدرالي الأميركي كيفن وارش في شهادته أمام مجلس الشيوخ إنه لم يقطع أي وعود لترامب بشأن خفض أسعار الفائدة.
الأسواق باتت تتحرك على أساس «تأجيل الخفض» لا «نقطة الخفض»، وهو تحول جوهري في التسعير، جعل الذهب يفقد أحد أهم محفزاته التقليدية، وهو توقع انخفاض العوائد الحقيقية.
«الفيدرالي» في اختبار تاريخي.. وارش رئيس للبنك أم ظل لترامب؟
مصير مجهول
قال المدير العالمي لأبحاث السلع لدى «تي.دي سكيوريتيز» بارت ميليك: «الذهب يشهد تقلبات واضحة مع استمرار تأرجح أسعار العوائد على جميع الأدوات».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «الوضع لا يزال هشاً وضبابياً، المعدن النفيس لن يسلك اتجاهاً واضح المعالم قبل التوصل إلى حل بشأن قضية مضيق هرمز».
وقال المحلل في شركة ماركس، إدوارد ماير: «مع تمديد وقف إطلاق النار، ترى الأسواق انخفاضاً في حدة الأزمة؛ أما إذا انتهى وقف إطلاق النار واستؤنفت الأعمال العدائية، فسنشهد ارتفاعاً في قيمة الدولار، وارتفاعاً في أسعار النفط والفائدة، وهذا من شأنه أن يضغط على أسعار الذهب».
الدولار بين حربين.. التطورات في إيران واستقلالية الفيدرالي
رهناً بالعناوين
ويرى محللون في بنك «ستاندرد تشارترد» أن تحركات أسعار الذهب ستظل رهناً بعناوين الأخبار المتعلقة بوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط واحتياجات السيولة.
وقالوا في مذكرة: «بينما نلحظ أن الارتفاع الطفيف الأخير في الأسعار كان هشاً ويتعرض لخطر تصحيح قصير الأجل، فإننا ما زلنا نتوقع أن تتعافى أسعار المعادن الثمينة، وأن يعيد الذهب على وجه الخصوص اختبار مستويات قياسية مرتفعة».
لا يبدو أن الذهب يخسر معركة عابرة، بل يعيد اختبار موقعه في نظام مالي جديد، تحكمه الفائدة المرتفعة أكثر مما تحكمه الحروب، وحتى يتضح مصير هرمز ومستقبل الفيدرالي معاً، سيبقى المعدن النفيس عالقاً في سوق لا تعترف إلا بالعائد.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

