من يمر اليوم من شوارع الرماني، يلاحظ أن رائحة الانتخابات بدأت تفوح قبل موعدها بكثير، لكنها ليست الرائحة المألوفة لملصقات الجدران والوعود الموسمية، هذه المرة، الحملة جاءت "بأساليب جديدة" تخرج عن المألوف، وتطرح أكثر من علامة استفهام.
لم يعد المرشح المفترض يكتفي بالزيارات البيتية أو اللقاءات في المقاهي، المشهد تغير، صرنا نرى "المحتوى الانتخابي" يطل علينا من حيث لا نتوقع: مقاطع فيديو مصورة باحتراف على الفيسبوك تحديات ومسابقات باسم العمل الخيري، حملات توزيع "هدايا" توثق بالبث المباشر، وحتى استغلال واضح للمناسبات الدينية والاجتماعية لالتقاط الصور ونشرها في الصفحات والمواقع.
الظاهر من هذه الأساليب أنها قريبة من الناس، شبابية، وتواكب العصر، لكن الباطن يحمل قلقا مشروعا، فعندما يتحول العمل السياسي إلى صناعة "محتوى فيسبوكي"، يصبح الخطر هو اختزال قضايا المدينة المعقدة في فضاء افتراضي وتصبح معاناة الساكنة مجرد "محتوى" لجلب التفاعل، وتصبح التنمية وعدا يقال على أثير الصفحات المحلية.
البداية المبكرة للحملات بهذه الطرق تطرح سؤالاجوهريا: هل الهدف هو خدمة الرماني وأهلها، أم حجز مكان في ذاكرة الناخب بأي ثمن؟ هناك فرق كبير بين من ينزل للميدان ليسمع ويخطط بهدوء، وبين من ينزل للميدان ليصور وينشر. الأول يبني ثقة، والثاني يبني جمهورا.
لا أحد ضد التجديد في أساليب التواصل، من حق أي مرشح أن يصل للناس بالطريقة التي يفهمونها، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، عندما تصبح الصورة أهم من المشروع، واللايك أهم من الحل، والبث المباشر أهم من اللقاء الحقيقي مع الساكنة بعيدا عن الكاميرات.
مدينة الرماني، كغيرها من مدن المغرب، تحتاج إلى من يفهم همومها الحقيقية: الماء، الصحة، فرص الشغل للشباب، البنية التحتية، وهذه القضايا لا تحل بـ"تدوينة" ولا تنتهي بـ"لايف"، تحتاج إلى برامج واضحة، وإلى أشخاص مستعدين للعمل بصمت بعد أن ينطفئ ضجيج الكاميرات.
السباق المبكر قد يكشف النوايا المبكرة، وساكنة الرماني، بتاريخها ووعيها، قادرة على التمييز بين من يريد أن يخدمها، ومن يريد فقط أن يتظاهر بحبها فالافتراض.
المطلوب اليوم منا كناخبين هو أن نرفع سقف الوعي، أن لا ننبهر بالأسلوب الجديد وننسى أن نسأل عن المضمون القديم المتجدد: ماذا ستقدم للرماني؟ ما هو برنامجك؟ ما هي مؤهلاتك غير عدد متابعيك؟
فالانتخابات ليست مسابقة ملكة جمال للنوايا الحسنة، هي تعاقد مسؤول لبناء مستقبل مدينة، والرماني تستحق من يراها مسؤولية، لا فضاءا أزرق.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
