غير أن هذا التحول، في عمقه، لا يطرح فقط أسئلة التدبير، بل يعيد طرح الإشكال الدستوري الأصلي والمتمثل في: كيف يمكن التوفيق بين شرعية الانتخاب، باعتبارها أساس التدبير الحر، وشرعية التعيين، باعتبارها أداة لضمان وحدة الدولة وتماسك سياساتها العمومية؟

لا يمكن اليوم قراءة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بمعزل عن الدينامية التشريعية والمؤسساتية التي رافقته، خاصة بعد مصادقة المجلس الوزاري على مشروع قانون تنظيمي يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي المتعلق بالجهات. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بتصور تدبيري أو اختيار حكومي، بل أصبحنا أمام مسار لإعادة تأطير الحكامة الترابية على مستوى النص الدستوري والتنظيمي معا، بما يعكس إرادة واضحة في الانتقال نحو جهوية متقدمة أكثر نجاعة وفعالية.

غير أن هذا التحول، في عمقه، لا يطرح فقط أسئلة التدبير، بل يعيد طرح الإشكال الدستوري الأصلي والمتمثل في: كيف يمكن التوفيق بين شرعية الانتخاب، باعتبارها أساس التدبير الحر، وشرعية التعيين، باعتبارها أداة لضمان وحدة الدولة وتماسك سياساتها العمومية؟

من حيث التأصيل، يظل مبدأ التدبير الحر، كما نص عليه الفصل 136 من الدستور، حجر الزاوية في التنظيم الترابي، إذ يمنح الجهات والجماعات الترابية سلطة حقيقية في تدبير شؤونها عبر مؤسسات منتخبة.

في المقابل، يحدد الفصل 145 موقع ممثلي السلطة المركزية في التنسيق وضمان تنفيذ القوانين، في إطار من التوازن الدقيق بين الاستقلالية الترابية ووحدة الدولة.

في هذا السياق، تأتي المستجدات التي أقرها المجلس الوزاري لتعكس توجها نحو تعزيز قدرات الجهة على مستوى الاختصاصات والموارد وآليات التنفيذ. فمشروع القانون التنظيمي الجديد يهدف، من جهة، إلى تدقيق توزيع الاختصاصات بين الذاتي والمشترك، مع تكريس الجهة كفاعل مركزي في التنمية الاقتصادية، ومن جهة ثانية إلى تقوية استقلاليتها المالية، بما يمكنها من ممارسة وظائفها بكفاءة أكبر. وهي اختيارات، في ظاهرها، تنسجم مع منطق الجهوية المتقدمة كما أرادها الدستور.

غير أن التحول الأبرز يهم آليات التنفيذ، من خلال تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، تجمع بين متطلبات الحكامة العمومية ومرونة التدبير. وهنا يطرح سؤال دستوري دقيق: هل نحن أمام تعزيز لأدوات الفعل الترابي، أم أمام إعادة تموقع للقرار خارج القنوات التقليدية للمسؤولية السياسية؟

ذلك أن هذه الشركات، وإن كانت ستعمل تحت إشراف الجهات، فإن طبيعتها القانونية الجديدة قد تدخل منطقا تدبيريا تقنيا يبتعد نسبيا عن آليات الرقابة السياسية الكلاسيكية، وهو ما يستدعي ضبطا دقيقا للعلاقة بينها وبين المؤسسات المنتخبة، حتى لا تتحول إلى فضاء مواز لإنتاج القرار.

من جهة أخرى، فإن إدراج هذه الإصلاحات ضمن إطار برامج ممتدة زمنيا (ثماني سنوات)، يعزز منطق الاستمرارية والنجاعة، لكنه يثير، مرة أخرى، إشكالية الزمن الدستوري للمساءلة. فكيف يمكن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة (الفصل الأول من الدستور)، إذا كانت السياسات العمومية تتجاوز الولاية الحكومية، بل وأحيانا الولاية الانتدابية للمنتخبين؟

إننا أمام تحول مزدوج: من جهة، تعزيز لقدرات الجهة واختصاصاتها ومواردها، بما يكرس استقلاليتها؛ ومن جهة أخرى، إدماج متزايد لآليات تدبير ذات طابع مرن وتقني، قد تعيد تشكيل موازين القرار داخل المجال الترابي.

وهنا تبرز الحاجة إلى يقظة دستورية، ليس لمعارضة هذا التحول، بل لضبطه داخل إطاره المشروع.

فالتطوير المؤسساتي، مهما كانت وجاهته، يجب أن يظل منسجما مع القاعدة الدستورية التي تجعل من المنتخبين الفاعل الأساسي في تدبير الشأن الترابي، وتبقي على دور سلطة التعيين في حدود التنسيق والدعم وضمان التنفيذ.

حين يتكلم الدستور في هذا الورش، فإنه لا يعارض تحديث أدوات التدبير، ولا يحد من طموح الدولة في بناء جهوية قوية ومنتجة، لكنه يضع شرطا أساسيا لا يمكن تجاوزه والمتمثل في: أن يتم هذا التحول داخل منطق التوازن بين الشرعيات، لا على حساب إحداها.

فالجهوية المتقدمة لا تقاس فقط بمدى نجاعة التنفيذ أو حجم الموارد، بل بقدرتها على ترسيخ شرعية الانتخاب كقاعدة للقرار، وضبط تدخل سلطة التعيين كآلية للتنسيق لا لتعويض الأولى.

وبين هذين البعدين، يبقى الرهان الحقيقي هو الحفاظ على روح الدستور؛ دستور لا يرفض التطوير، لكنه لا يقبل أن يتم خارج نسقه. لأن أي انزياح في هذا التوازن، مهما بدا تقنيا، قد يعيد طرح سؤال جوهري: هل ما زلنا داخل منطق الجهوية المتقدمة، أم بصدد إعادة تشكيلها بصيغة أكثر مرونة وهدوء؟


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
2M.ma منذ ساعة
هسبريس منذ 9 ساعات
Le12.ma منذ 4 ساعات