دفعني الفضول إلى تحمل عناء السفر رفقة زوجتي وأبنائي لزيارة الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، الذي يدخل هذه السنة دورته 18، ومنذ انطلاقته كانت لدي رغبة في زيارته، ولكن الظروف لم تسمح لي خلال الدورات ال 17 الماضية من تحقيق هذه الرغبة، يا ليتها لم تسمح لي هذه المرة أيضا، على الأقل كانت ستظل الرغبة متقدة، وسيظل الفضول يراودني، والأكثر من ذلك ستظل الصورة الجميلة للملتقى وحكايات زواره السابقين، وإن كنت أشك انها صادقة، عالقة في ذهني إلى ما شاء الله.
1- المشهد الأول، مدينة مكناس التي تحتضن الملتقى يبدو أنها عرفت رتوشات وترقيعات على السريع، حيث بدت بعض المقاطع الطرقية حديثة التجديد، بطلائها الناصع وأسفلتها الجديد. إلا أن سلطات المدينة أو الجهة المنظمة تغافلت عن وضع اليافطات التي تقود إلى مكان وجود المعرض فلا شيء يدلك على الطريق. والزائر من خارج المدينة، خصوصا إذا لم يسبق له زيارتها، لن يجد طريقه بسهولة وقد يضيع ساعات كثيرة قبل أن يهتدي إلى الطريق. وما يزيد الأمر صعوبة حركة السير المختنقة نتيجة توافد أعداد كبيرة من المواطنين لزيارة المعرض.
2- المشهد الثاني، لم أستوعب كيف السؤال الاستنكاري "واش عندك البادج ولا الورق"، إلا بعد أن أخبرني أحدهم أن هناك بعض المحظوظين يتوفرون على "البادج" يسمح لهم بولوج فضاء الملتقى دون الحاجة إلى التدافع مع بقية خلق الله، ومن لم يسعفه الحظ للحصول على هذا ا"لبادج" ما عليه سوى المشي لمسافة طويلة للدخول من باب المخصص للعموم.
3- المشهد الثالث، زرت معارض وملتقيات كثيرة ولم أر في أي منها تذاكر الدخول تباع في السوق السوداء إلا في هذا الملتقى (مثلما يقع في مباريات كرة القدم)، حيث يستوقفك شبات ومراهقين وحتى أطفال يعرضون تذاكر للبيع بثمن أقل مما هي عليه في الشباك الوحيد المخصص للبيع. المتعارف عليه أن أسعار بيع تذاكر أي تظاهرة تباع بأكثر من ثمن البيع الرسمي، لكن في مكناس تباع بأقل ثلث السعر أو نصفه أو حتى ربعه، فتجد تذكرة البالغين التي تباع في الشباك ب 40 درهم يعرضها عليك أحد هؤلاء الشبان أو الأطفال ب 30 أو 20 وبقليل من المساومة يمكن أن يبيعها لك بعشرة دراهم معدودات. لذلك فعدد الزوار الذين يقتنون تذاكرهم من الشباك الوحيد لا يمثل حتى نسبة 5 في المائة من مجموع زوار المعرض.
4- المشهد الرابع، على ذكر الزوار أعتقد أن غالبيتهم "هائمين" في فضاءات المعرض بدون بوصلة وبدون هدف محدد. فقط يتبعون حركة الناس مثل القطيع. بعض الفضاءات زوارها قليلون (فضاءات العارضين الدوليين، فضاءات التجهيزات الفلاحية، وغيرها) وأكثر الأماكن ازدحاما فضاءات العارضين المؤسساتيين (خصوصا الفضاء المخصص للجهات) وفضاء المنتوجات المجالية ومتاجر العرض. حيث يتحلق الناس لتذوق المنتوجات المجالية واقتناء بعضها.
5- المشهد الخامس، الفضاء المخصص للمنتوجات الحيوانية هي التي عرفت ازدحاما منقطع النظير، إلى درجة يصعب المرور بين الصفوف إلا بشق الأنفس، يزيد من صعوبتها رائحة روث الأبقار وفضلات الحيوانات اختناقا. كان الله في عون تلك الحيوان التي تئن تحت وطأة أنظار كل ذلك العدد الهائل من المحملقين والمتحلقين حولها.
6- المشهد السادس، قد يبدو وجود أماكن معزولة للتغذية والاستراحة أمرا جد مقبول، لكن من غير المقبول أن تجد الباعة الجائلين يطوفون بين الصفوف يجملون قفافهم أو يقفون داخل فضاءات العرض لبيع (مسكة، كاوكاو، بيمو، الزريعة) في معرض أريد له أن يكون دوليا بمواصفات عالمية. أنا لست ضد هؤلاء البائعين يمكن ان يعرضوا بضائعهم خارج فضاءات الملتقى.
7- المشهد السابع، ونحن نهم بمغادرة الملتقى بعد جولة قادتنا إلى أغلب فضاءات العرض وبعد ان بلغ منا التعب مبلغه، استرعى انتباهنا فضاء فسيح في ركن منعزل يرتاده الكثير من الزوار، رمقت اليافطة فعرفت أنه خاص بالوكالة الوطنية للمياه والغابات، وهو فعلا فضاء جميل يغري بالزيارة يحتوي على معلومات تتعلق بالتنوع النباتي والحيواني بالمغرب وشاشة عرض كبيرة بتقنيات متطورة. لكن المثير أن العديد من الزوار اتخذوه مكانا للاستراحة، وإذا عرف السبب بطل العجب!!!! لأنه المكان الوحيد المكيف في كل فضاءات المعرض ههههههههه.
8- المشهد ما قبل الأخير، الاستثناء الجميل في كل هذا والذي أنساني المتاعب التي تكبدتها والمشاهدات التي أوردها أنني التقيت بقريبي (زوج شقيتي) وأخوه جاءا ضمن 4 عارضين آخرين من طاطا يعرض بضاعته، كانت لحظة ماتعة حقيقية.
9- المشهد الختامي، بقدر ما كان أبنائي متحمسين لزيارة الملتقى لا يمكن تصور مدى عدم الرضا، حتى لا أقول الإحباط، الذي أصابهم في الخطوات الأولى لهم داخل أروقة المعرض، ليس المكان هنا لعرض عبارات الاستهزاء التي صدرت عنهم، ربما أفرد لها يوما تدوينة خاصة.
عدنا لا نحمل معنا سوى بعض المقتنيات القليلة من المنتجات المجالية وصور بئيسة عن حالات التدافع ومشاهد أناس مستلقون تحت الأسوار والأشجار، ورائحة الغبار والعرق ونوادر التقطتها اعيننا بين الفينة والأخرى.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
