لماذا تثق وكالات التصنيف بقطر رغم خسارتها 17% من إنتاج الغاز؟

تعرّض قطاع الغاز في قطر خلال مارس 2026 لضربة كبيرة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت هذه الصناعة في مدينة رأس لفان الصناعية، ما أدى إلى تعطّل نحو 17% من الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال، أي ما يعادل قرابة 12.8 مليون طن سنوياً من صادرات الغاز، مع توقع أن تستغرق عمليات الإصلاح ما بين ثلاث إلى خمس سنوات قبل عودة الطاقة الإنتاجية المتضررة إلى مستوياتها الطبيعية.

ورغم حجم هذه الخسارة، حافظت وكالات التصنيف الائتماني العالمية مثل Standard Poor s وFitch وMoody s على التصنيف المرتفع للاقتصاد القطري ضمن درجة AA / Aa2 مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو ما يعكس ثقة الأسواق بقدرة الدولة على امتصاص الصدمات المالية والاستمرار في الوفاء بالتزاماتها.

وزير المالية القطري أكد خلال لقاء في مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن أن الاقتصاد القطري يمتلك قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات، مشيراً إلى أن الدولة وضعت أطرًا مالية للتعامل مع الأزمات منذ سنوات، ما مكّنها من بناء احتياطيات مالية قوية.

كما حذر من أن استمرار التوترات في المنطقة قد يؤدي إلى تداعيات أوسع على الاقتصاد العالمي، خصوصاً إذا تعطلت حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية.

صدمة الإنتاج وتأثيرها في سوق الغاز العالمي

تعطُّل جزء من الإنتاج القطري انعكس سريعاً على أسواق الطاقة العالمية، إذ تعد قطر أحد أهم موردي الغاز الطبيعي المسال في العالم، خصوصاً بالنسبة لآسيا وأوروبا.

يقول محمد يوسف البهزاد، الخبير الاقتصادي السابق في منظمة أوبك إن التقديرات تشير إلى أن قطر فقدت نحو 17% من طاقتها الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال، أي ما يعادل تعطّل ما بين 12 و13 مليون طن سنوياً من صادرات الغاز، وهو رقم كبير في سوق عالمي شديد الحساسية لأي نقص مفاجئ في الإمدادات.

ويضيف أن أهمية الرقم لا تكمن فقط في حجمه، بل في أن قطر ليست منتجاً عادياً، بل تعد أحد الأعمدة الرئيسية لسوق الغاز العالمي، خصوصاً لآسيا وأوروبا. ولذلك فإن أي تعطل -حتى لو كان جزئياً- ينعكس بسرعة على الأسعار والتجارة الدولية للغاز.

ويشير إلى أن الأسواق شهدت بالفعل عدة آثار مباشرة، من بينها ارتفاع أسعار الغاز الفورية في أوروبا وآسيا بشكل ملحوظ، وزيادة اعتماد أوروبا على الغاز الأميركي والنرويجي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري. كما ظهرت ضغوط على الصناعات المرتبطة بالغاز مثل الهيليوم والأسمدة الكيماوية والبتروكيماويات.

ويرى البهزاد أن هذه التطورات تعكس اتساع الفجوة بين العرض والطلب العالمي، خاصة في ظل محدودية الطاقة الاحتياطية لدى المنتجين الآخرين.

«موديز» تثبت التصنيف الائتماني لدولة الإمارات عند Aa2

لماذا لم تتأثر التصنيفات الائتمانية؟

رغم هذه الخسارة الإنتاجية الكبيرة، يرى البهزاد أن السبب الرئيسي وراء استمرار التصنيف الائتماني المرتفع لقطر يعود إلى أن وكالات التصنيف لا تنظر فقط إلى «الخسارة اللحظية» في الإنتاج، بل إلى قدرة الدولة الكلية على امتصاص الصدمات والاستمرار مالياً واستراتيجياً واستثمارياً.

ويشرح قائلاً إن وكالات التصنيف عندما تقيّم الدول تطرح مجموعة من الأسئلة المحورية: هل الدولة ما زالت قادرة على السداد؟ هل احتياطياتها المالية كبيرة؟ هل الخسارة مؤقتة أم هيكلية؟ وهل الاقتصاد ينهار أم يبقى متماسكاً؟

ويؤكد أن الإجابة على هذه الأسئلة في حالة قطر جاءت إيجابية لدى معظم وكالات التصنيف، إذ إن الأسس المالية للاقتصاد القطري ما تزال قوية.

ويشير إلى أن أحد أهم العوامل التي حمت التصنيف الائتماني هو ضخامة الاحتياطيات والسيولة السيادية، حيث تمتلك قطر واحداً من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم عبر أصول واستثمارات عالمية ضخمة.

وبحسب التقديرات، يدير جهاز قطر للاستثمار أصولاً تتجاوز 500 إلى 580 مليار دولار موزعة على استثمارات عالمية متنوعة، ما يمنح الدولة قدرة كبيرة على تمويل الميزانية والوفاء بالديون بسهولة حتى في حال انخفاض الإيرادات مؤقتاً.

ويؤكد البهزاد أن الدول التي تمتلك احتياطيات مالية ضخمة تُعامل بشكل مختلف في تقييم الجدارة الائتمانية مقارنة بالدول التي تعتمد فقط على دخلها الجاري من الطاقة.

ميزة تنافسية للغاز القطري

إلى جانب الاحتياطيات المالية، يشير البهزاد إلى عامل آخر مهم يتمثل في انخفاض تكلفة إنتاج الغاز القطري مقارنة بمعظم المنتجين الآخرين.

فالغاز القطري يعد من الأرخص إنتاجاً في العالم نتيجة ضخامة البنية التحتية وكفاءة العمليات التشغيلية، وهو ما يمنح قطر قدرة تنافسية قوية في الأسواق العالمية حتى في فترات الاضطراب.

ولهذا السبب؛ ترى وكالات التصنيف أن أساسيات قطاع الغاز القطري لم تتآكل، وأن ما حدث يمثل اضطراباً مؤقتاً نتيجة ظروف أمنية إقليمية وليس فقداناً دائماً للثروة الغازية.

منصة بحرية تابعة لشركة «قطر للطاقة» في حقل الشمال القطري

المصدر: الموقع الرسمي لشركة «قطر للطاقة للغاز الطبيعي المسال»

صندوق الثروة السيادي.. شبكة الأمان الكبرى

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي القطري بدر بن دلهم الهاجري أن الصندوق السيادي القطري يمثل بالفعل «شبكة الأمان الكبرى» للاقتصاد القطري.

ويقول إن أصول الصندوق السيادي القطري، التي بلغت 600 مليار دولار بنهاية الربع ألو من 2026، موزعة على استثمارات عالمية ضخمة تشمل العقارات العالمية والبنوك والمؤسسات المالية والتكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة والبتروكيماويات.

ويضيف أن أهمية هذا الصندوق تكمن في عدة جوانب، إذ يمكنه تعويض أي تراجع مؤقت في الإيرادات الهيدروكربونية، كما يسمح للدولة بالسحب من العوائد الاستثمارية السيادية دون أن تواجه أزمة مالية سريعة.

كما أن هذه الأصول تساعد على الحفاظ على استقرار العملة القطرية والقطاع المصرفي؛ لأن قطر تمتلك احتياطيات وأصولاً خارجية ضخمة تمنحها القدرة على تمويل الموازنة والمشاريع الاستراتيجية حتى أثناء فترات التوتر أو انخفاض أسعار الطاقة.

ويشير الهاجري إلى أن استثمارات الصندوق السيادي تمنح قطر أيضاً علاقات اقتصادية عميقة مع مراكز المال العالمية، ما يشكل في بعض الأحيان حماية اقتصادية وسياسية غير مباشرة.

توسعة حقل الشمال.. الرهان الاستراتيجي

إلى جانب الاحتياطيات المالية، يشير الخبراء إلى أن مشروع توسعة حقل الشمال يمثل أحد أهم العوامل التي تدعم ثقة الأسواق في الاقتصاد القطري.

فهذا المشروع سيزيد الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال من نحو 77 مليون طن سنوياً حالياً إلى نحو 126 مليون طن بحلول عام 2027، وهو ما يعزز الإيرادات الحكومية ويعيد الفوائض المالية إلى مستويات مرتفعة خلال السنوات المقبلة.

ويرى الهاجري أن هذه التوسعة لا تعوض الخسارة الحالية فحسب، بل تعيد ترسيخ موقع قطر كمورد رئيسي للطاقة في الأسواق العالمية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد من أوروبا وآسيا على الغاز الطبيعي المسال.

«فيتش»: اقتصادات الخليج أظهرت مرونة في مواجهة تداعيات الحرب

اختبار لمرونة اقتصادات الخليج

يرى خبراء منطقة الخليج في الأزمة الحالية اختباراً حقيقياً لمرونة اقتصادات الخليج، خصوصاً في ظل تزامن ثلاثة تحديات رئيسية تتمثل في الاعتماد الكبير على صادرات الطاقة، والتوترات الجيوسياسية التي تهدد الممرات البحرية الحيوية، والحاجة إلى تسريع برامج التنويع الاقتصادي.

لكن في المقابل، تمتلك اقتصادات الخليج أدوات مالية قوية مثل الاحتياطيات والصناديق السيادية تمكنها من امتصاص الصدمات الاقتصادية. ومع ذلك، فإن استمرار التوترات لفترة طويلة قد يؤدي إلى ضغوط تشمل ارتفاع تكاليف التأمين والشحن واضطراب سلاسل الإمداد وتباطؤ بعض الاستثمارات والمشاريع.

وفي ضوء هذه المعطيات، يقدر خبراء تحدث إليهم موقع «إرم بزنس»، أن ما حدث في قطاع الغاز القطري يمثل فعلاً صدمة مؤلمة لكنها لا تعكس ضعفاً هيكلياً في الاقتصاد. فالمزيج الذي يجمع بين الاحتياطيات المالية الضخمة والأصول السيادية الكبيرة وخطط التوسع المستقبلية في إنتاج الغاز، إلى جانب الإدارة المالية الحذرة، ما يزال يمنح قطر ثقة الأسواق الدولية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 48 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 13 ساعة
هارفارد بزنس ريفيو منذ 14 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 18 ساعة