الرأي | الربيع.. فصل الانفجار الجمالي

عندما ننتقل إلى الرومانسية العربية في وصف الربيع، يطل علينا بشارة الخوري، وجبران، وإيليا أبو ماضي ومحمد مهدي الجواهري وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه، ونزار قباني وآخرين، وكأنهم يعانقون روسو وهوغو ولامارتين وغوته، في وصف جمالية هذا الفصل والتغني بسحره وتذكر لحظاته.. فنكاد ننتقل من وصف الربيع إلى عبادته عند جان جاك روسو، لما اعتبر بأن الربيع هو الفطرة.. فهو ليس مجرد فصل، بل هو بيان سياسي وفلسفي ضد زيف المدنية .

فقد كان روسو يرى أن الإنسان ولد خيرا ولكن المجتمع أفسده، وما الربيع عنده إلا الحالة الأصلية التي يجب أن نعود إليها لنستعيد براءتنا، لأنه فطرة الإنسان قبل تلوث محيطه كجمال الربيع.

في كتابه أحلام مستوحد ، يظهر الربيع كصديق للمتأمل؛ حيث النباتات لا تكذب ولا تتجمل، بل تنمو بصدق، وهذا هو الربيع الفلسفي الذي نادى به، وعند جبران خليل جبران: الربيع هو القيامة ، فهو يتجاوز الطبيعة ليصبح حالة صوفية، فهو الولادة من الألم:

فالربيع لا يأتي إلا بعد مخاض الشتاء. يقول جبران: في قلب كل شتاء، ربيع يختلج ، فهو يؤمن بأن الحياة تنتصر دائما على الموت، فالربيع متجسد في المواكب أو الأرواح المتمردة ، هو صوت الله على الأرض، هو الدعوة إلى التمرد على القيود والتحليق مع الطيور العائدة.

لكنه عند بشارة الخوري (الأخطل الصغير) هو الحب العذري ؛ فقد استطاع الخوري نقل الربيع إلى منطقة الغزل الرقيق والأناقة اللبنانية؛ فهو عنده مرتبط بالمرأة، بالقدّ المياس، وبالخجل، هو لا يرى الربيع غابة موحشة، بل يراه حديقة غناء تصلح لتكون مسرحا لقصة حب كلاسيكية.

تميزت لغته بالرقة الشديدة، فكان الربيع في شعره يهمس ولا يصرخ، يبتسم ولا يضحك بصخب:

نَشَر الربيع على الروابي مِطْرَفا

غض النبات، مُنمنما، مَوشيا

وشذت بلابله فخلتُ لِحونَها

سحرا يُراق على القلوب جَنِيّا

يا دهرُ قِف! فالأرضُ عِرسُ بشاشة

والكونُ أصبحَ بالجمالِ غَنِيّا

أما عند إيليا أبو ماضي، فالربيع فلسفة التفاؤل ، هو غوص في العملية والوجودية للربيع، وهو أيقونة التفاؤل.

وفي قصيدته الشهيرة: كن جميلا تر الوجود جميلا ، الربيع ليس في الخارج، بل في عين الرائي ، فهو الحق في السعادة وهو القائل:

إن نَفسا لم يشرق الحب فيها

هي نفس لم تدر ما معناها

وهو الحجة التي يقدمها للإنسان المتشائم لكي يبتسم:

هَشَّت لَكَ الدُنيا فَما لَكَ واجِما ؟

وتبسّمت فعلام لا تتبسّم ؟

إن كنت كئيبا لقدر لم تصبه

فالكون لم يزل سَخيّا أكرم

جاء الربيع فكن ربيعا ضاحكا

إن الزهور بالضحك تترنم

أما عندما نصل إلى الجواهري وإبراهيم ناجي، فنحن أمام مدرستين متناقضتين في هندسة الربيع؛ أحدهما يراه بعين الثائر والقائد ، والآخر يراه بعين العاشق والذبيح .

فمحمد مهدي الجواهري، الربيع عنده كـ عنفوان وعظمة ، فلم يكن الربيع عنده مجرد زهور رقيقة، بل كان قوة صاخبة، إذ يصفه وكأنه جيش من الجمال يغزو الأرض.

لغته جزلة، قوية، وفيها فخامة كلاسيكية.

فهو صحوة وكأن الأرض كانت في غفوة واستيقظت لتسترد حقها في الحياة.

هو لا يغازل الربيع، بل يحييه بتحية الملوك.

في قصائده التي كتبها في الغربة (مثل براغ)، كان الربيع يذكره بربيع العراق والفرات، فيتحول الفصل عنده إلى وجع قومي وحنين للمكان الأول، فهو أرض في أثواب زينة وكأنها عروس دجلة والفرات:

جاشت بألوانها الدنيا فبهرجها

فصل الربيعِ بآيات من النور

كأنما الأرضُ في أثواب زينتها

عروس خدر جلتها كفّ محْبور

بينما كان إبراهيم ناجي يعتبر الربيع جرحا ورومانسية ذائبة ، فطبيب القلوب وشاعر الأطلال ، وهو عنده فصل الذاكرة ، لأنه مرتبط دائما بذكرى لقاء أو وداع .

هو الفصل الذي يفتح جروح الهوى. يقول ناجي في إحدى قصائده: عاد الربيع فمن يعيدُ ليَ الهوى ؟

فبينما يرى الناس الزهور تتفتح، قد يرى ناجي فيها قصر العمر وسرعة الزوال، فهو يربط الربيع بالجسد وبالعاطفة البشرية الهشة، فهو عنده ليس ثورة كما عند الجواهري، بل هو مناجاة هادئة بينه وبين قلبه المتعب وتساؤل عن عودة الحبيب:

وعاد الربيعُ فهلْ عُدتَ يا

حبيب ويا أملي الضائعا ؟

كأني أراكَ بقلب الظلام

تمد إلي يدا ضارعا

رأيتُ الزهور على غصنها

كأحلامنا في المنى النـازعة

وهكذا يطل الربيع علينا من عدة نوافذ يفتحها الشعراء والأدباء بين التفاؤل والذكرى والذوبان والورود والخضرة والمياه والتغزل في جمال المرأة حتى إذا وصلنا إلى نافذة نزار قباني، أطل علينا عطر وامرأة وقصيدة وانفجار جمالي :

الآن تخرج من ثيابي

وردة جورية

ويصيحُ في رئتيَّ عصفور

وتغرق غرفتي في الماء

هذا الربيعُ.. فكيف أكتُمُ ثورتي ؟

وبأي حق أمنع الأشجار من الإفصاحِ عن أسمائها ؟


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 3 ساعات
موقع بالواضح منذ 6 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعة
جريدة كفى منذ ساعتين
هسبريس منذ 4 ساعات
موقع بالواضح منذ 6 ساعات