في خضم النقاش المتجدد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، برز تحليل لافت لخبير إسباني في العلاقات الدولية، أكد فيه أن الخطر الحقيقي الذي يهدد المدينتين لا يأتي من المغرب ، كما يُروَّج له بشكل متكرر، بل من الإهمال الداخلي وتراجع الاهتمام بهما ضمن الأجندة الوطنية الإسبانية .
هذا الطرح يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة التحديات التي تواجه هاتين المنطقتين، بعيدا عن المقاربة التقليدية التي تركز على التهديد الخارجي .
وفي هذا الصدد، شدد الخبير الإسباني كارلوس إتشيفيريا، على أن سبتة ومليلية تعانيان من هشاشة بنيوية تجعل مستقبلهما مرتبطا بشكل وثيق بمدى التزام الدولة الإسبانية سياسيا وتنمويا تجاههما.
واعتبر إتشيفيريا في حوار أجراه مع برنامج لا لينترنا على شبكة كوبي الإسبانية، أن التحدي الأكبر لا يكمن في الضغوط التي يخيل أنها قادمة من المغرب ، بل في خطر تهميش المدينتين أو التعامل معهما كملف ثانوي، وهو ما قد ينعكس سلبا على استقرارهما الاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني .
ويأتي هذا التحليل في سياق يتناقض بشكل واضح مع الخطاب السائد في جزء من الإعلام الإسباني، الذي دأب لسنوات على تصوير المغرب كتهديد مباشر لسبتة ومليلية المحتلتين، سواء من خلال التركيز على قضايا الهجرة أو التوازن العسكري أو التصريحات السياسية.
هذا التصور، بحسب الخبير، يغفل معطى أساسيا يتمثل في أن الاستقرار الحقيقي للمدينتين يبدأ من الداخل، عبر تعزيز حضورهما في السياسات العمومية وضمان اندماجهما الكامل في المشاريع الوطنية الكبرى.
وفي مقابل هذا الطرح، لا يمكن إنكار التحولات التي يشهدها الإقليم، خاصة في ظل تنامي الدور الإقليمي والدولي للمغرب، الذي عزز موقعه كشريك استراتيجي لعدد من القوى الكبرى، من بينها الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى هذا، فإن التحديث المتسارع للقدرات العسكرية المغربية خلال السنوات الأخيرة، ساهم في تغيير موازين القوى التقليدية، وهو ما يُستحضر بشكل متكرر في النقاشات الإسبانية.
ورغم ذلك، فإن الخبير يرى أن التركيز المفرط على هذه المعطيات الخارجية قد يحجب التحديات الحقيقية، وعلى رأسها ضرورة ضمان تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة داخل سبتة ومليلية، وتوفير شروط العيش الكريم لسكانهما، بما يعزز شعور الانتماء ويحد من أي توترات محتملة .
وأشار المتحدث إلى أن غياب رؤية واضحة ومستدامة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا، لا ترتبط بالضرورة بمواجهة عسكرية، بل قد تتخذ أشكالا غير تقليدية مثل الضغط عبر ملفات الهجرة أو الاقتصاد.
ويعكس هذا التحليل تحولا مهما في طريقة قراءة ملف سبتة ومليلية المحتلتين داخل بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية الإسبانية، حيث لم يعد الخطر الخارجي التفسير الوحيد للتحديات القائمة، بل أصبح الحديث يتجه أكثر نحو مسؤولية الداخل الإسباني في ضمان استقرار المدينتين، وهو توجه يضع الإعلام الإسباني أمام تساؤلات حقيقية حول طبيعة الخطاب الذي يروج له، ومدى انسجامه مع التحولات الواقعية التي يشهدها هذا الملف المعقد.
هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24
