هل يجوز منع المؤثرين من النشر؟ قراءة قانونية مقارنة في ضوء الدستور؟

أصبح الفضاء الرقمي اليوم مجالا مركزيا للتعبير العمومي حيث لم يعد إنتاج الرأي حكرا على الصحافيين أو المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل انتقل إلى فاعلين جدد يُصطلح عليهم بـ المؤثرين أو النشطاء الرقميين. غير أن هذا التحول يطرح سؤالا قانونيا دقيقا: هل يمكن للدولة، وبالأخص في السياق المغربي أن تمنع هؤلاء من النشر رغم أنهم لا يحملون صفة صحافية؟

من حيث المبدأ، لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي فضاء خارج القانون. فكل محتوى منشور يظل خاضعا لمقتضيات القانون الجنائي، كما يمكن أن تنطبق عليه نصوص أخرى مرتبطة بحماية الحياة الخاصة أو مكافحة خطاب الكراهية. وبالتالي، فإن غياب صفة الصحافي لا يعفي الناشط الرقمي من المسؤولية القانونية بل يجعله خاضعا للقواعد العامة المنظمة لحرية التعبير.

غير أن الإشكال لا يتعلق بمبدأ الخضوع للقانون بل بطبيعة العقوبات الممكنة وعلى رأسها المنع من النشر . هذه العقوبة التي تُصنف غالبا ضمن العقوبات التكميلية، تثير إشكالا مفاهيميا: هل يمكن اعتبار النشر على وسائل التواصل نشاطا مهنيا حتى يُمنع؟ في الغالب، الجواب هو النفي، لأن الأمر يتعلق بممارسة فردية لحرية التعبير وليست مهنة مؤطرة قانونا كما هو الحال بالنسبة للصحافة.

في هذا السياق، تبدو المقارنة مع التجربة الأوروبية مفيدة. ففي فرنسا، يخضع التعبير الرقمي لمزيج من القوانين، من بينها قانون حرية الصحافة 1881 وقانون الاقتصاد الرقمي 2004، غير أن القضاء نادرا ما يلجأ إلى عقوبة المنع العام من النشر. ويُعزى ذلك إلى هيمنة مبدأ التناسب ، الذي يشكل حجر الزاوية في حماية حرية التعبير داخل الاتحاد الأوروبي استنادا إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

هذا المبدأ يقتضي أن يكون أي تقييد لحرية التعبير ضروريا ومحددا ومتناسبا مع الفعل المرتكب. لذلك، تميل الأنظمة الأوروبية إلى اعتماد عقوبات أقل تقييدا، مثل الغرامات أو حذف المحتوى أو التعويض المدني، بدل اللجوء إلى المنع الشامل من النشر الذي يُنظر إليه كمساس بجوهر الحق في التعبير.

بالعودة إلى الحالة المغربية، فإن الدستور يضمن بدوره حرية التعبير والنشر، لكنه يجيز تقييدها بموجب القانون. غير أن هذا التقييد يجب أن يستجيب لشروط ثلاثة: الوضوح، والضرورة، والتناسب. وهنا تبرز الإشكالية: عندما يصدر حكم يقضي بمنع شخص من النشر لعدة سنوات فإن السؤال لا يكون فقط حول مشروعيته القانونية، بل حول مدى احترامه لهذه الشروط الدستورية.

فمن زاوية التناسب، يبدو أن المنع الشامل والطويل الأمد يطرح صعوبة حقيقية، خاصة إذا كانت الأفعال المرتكبة يمكن معالجتها بوسائل أقل تقييدا. كما أن الطابع العام للعقوبة أي منع الشخص من التعبير في جميع المنصات يجعلها أقرب إلى تقييد شامل لحرية أساسية وليس مجرد عقوبة موجهة لسلوك محدد.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إخضاع الفضاء الرقمي للقانون بل في إيجاد توازن دقيق بين حماية المجتمع من الانحرافات الرقمية، والحفاظ على جوهر حرية التعبير. فكلما اتسع نطاق العقوبات واشتدّت، اقتربنا من منطق الردع المفرط؛ وكلما ضاقت، برز خطر الانفلات. وبين هذين الحدين، يظل مبدأ التناسب هو البوصلة التي ينبغي أن توجه القضاء والتشريع معا.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بسؤال قانوني تقني، بل برؤية مجتمعية أوسع: هل نريد فضاء رقميا مضبوطا بمنطق المنع، أم مؤطرا بمنطق الحرية المسؤولة؟ الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ملامح القانون في المستقبل، أكثر من أي نص قائم اليوم.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 17 ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
موقع بالواضح منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 19 ساعة
جريدة كفى منذ 14 ساعة